حناء ومانكيير

سميرة مغداد 10:06 - 26 مايو 2022

لا أدري لم اصبت بنوع من التقاعس عن الكتابة ،لعل الكتابة لاتجدي مع التعب ، هل يجب ان اكون مرتاحة لأكتب ؟ ان تكتب وتبحث في مشاعرك وتأملاتك يستدعي فعلا نوعا من الراحة وقليلا من الترف الفكري . احسست خلال المدة الفارطة بنوع من التوقف التام، كنت ألبي كتابات تحت الطلب لاغير ، اما ان احرر مشاعري وأوثقها بروية ، فلم أتمكن من ذلك منذ مدة.

بقيت سجينة تعب خاص في الاسبوعين الاخيرين لشهر رمضان حينما سافرت الى فرنسا لأرافق ابنتي في اول صيام لها خارج الديار .كنت مخطئة لأني اندفعت بقلب أم مشتاقة لابنتها المغتربة ، فالصيام والقيام لا يلتئمان الا في بيتك وعشيرتك  او في الديار المقدسة مع المسلمين الصائمين ، شعرت بجهاد فعلي مع النفس في باريس وسط غير الصائمين الذين احتفوا ببهجة الربيع المزهر بالشمس والورود ، كانت ايامي هناك جميلة بإشراقات الشمس والاحتفال بالحياة بما لذ وطاب من اكل وشرب لا ينضب بين شوارع وأزقة العاصمة الفرنسية، لكن لا نكهة للحريرة وتوابلها وطقوسها ، مرة واحدة قررت ومن معي ان نبحث عن مطعم محترم في باريس لتجريب نكهة افطار باريسي فاندهشنا للأثمنة الباهظة ، اقترب آذان المغرب وقررنا الذهاب الى حي المسلمين والمغاربيين “باربيس “.

لأول مرة ادخل هذا الحي ، وجدتني ادخل عالما هامشيا مغايرا تماما لأجواء باريس .فالحي ذكوري بامتياز ، محلات كثيرة مصطفة للمغاربيين تبيع التمور والحلويات الرمضانية المتنوعة ،وجدت الشباكية كبيرة الحجم وحتى بلون مختلف يميل الى الصفرة ، الحديث يدور في معظمه بالعربية تتصدره لهجة الجزائريين والتونسيين ثم المغاربة  ، اصبت ببعض الخوف أو الحذرعلى الأصح وسط حشد من الشباب ينتظرون موعد الافطار على جنبات الطريق ، يرتدون جينزات وسترات كلها ان لم تخني الذاكرة البصرية باللون الأسود ، فوضى وضجيج في المكان ، وجدتني انا وابنتي بأناقتنا وسط حشد من الرجال من فئات هشة طلاب وحراكة صغار وشبان تقرأ في نظراتهم الزائغة حكايات  نشالين صغار.

كان منظر الالتفاف حول طابور “السيلف سيرفيس” في مطعم صغيرمن اجل حريرة وبوراك وتمر ،أمر مثير ذكرني بأيام المطعم الجامعي لحي السويسي بالرباط  ، انسجم الناس وتلاحمت الوجوه من اجل افطار واحد. كم كان المنظر فريدا ومؤثرا في نفس الآن ، الحياة هنا صعبة ورمضان يلملم الشتات على مايبدو ، وضعت ابنتي حقيبتها اليدوية على الكرسي وذهبت لغسل يديها، فنبهها احد العاملين بسرعة لكي تحمل حقيبتها معها . كنا وسط مجتمع مصغر لحياة الحالمين بأوروبا ،للباحثين بعد على فرصة ومكان وسط هذا البعاد الشاهق لهوية المسلم والعربي بصفة عامة. كان الافطار استثنائيا لن أنساه أبدا وكأنه افطار خيري تضامني. بالقرب منا جلس صبيان صغار لا يتجاوزون 15 سنة  اكرمهم صاحب المطعم بالإفطار ، غدوا يتسائلون جميعا في لحظة غابت فيها الشمس عن توقيت الاذان بالضبط ليلفوا سجائرهم اولا ..

الانحراف لا يلغي بأن تحاول ان تكون مسلما صائما في رمضان . ابنتي ترفض هذا الازدواج وانا اعتبرته لحظتها محاولة لابأس بها للدفاع عن الهوية وسط الاستيلاب الغربي الفظيع ، تماما مثلما رأيت في يوم العيد وانا في هولندا كيف كانت مغربيات شابات يتجولن في الشارع  بسعادة وقد خضبن اياديهن بالحناء دون ان يغفلن الاعتناء بأظافرهن بالخضوع  لمانكيير راقي بمختلف الالوان الجذابة على آخر صيحات الموضة .أن تعيش مغربيا أومغاربيا  أو حتى عربيا في أوروبا ، فن لا يتقنه سوى الراسخون في معاني الاغتراب. كان الله في العون.

اترك رد