في ذكرى المخرج محمد إسماعيل صديقي المبدع الرقيق

بنيونس بحكاني 13:12 - 23 مارس 2022
تحل الذكرى الأولى على رحيل محمد اسماعيل،فارقنا بعدما خذلته صحته في ليلة تؤشرببداية ربيع قادم ،أسلم روحه التي أتعبها الزمن السينمائي الذي انتمى اليه منذ ازيد من 50 عاما ..رحل محمد بعيدا ليرتاح من آلام الحسرة التي انهكت قلبه الهش..
اسماعيل كان رجل السينما بامتياز، عاشق للصورة رهيف الإحساس بالسينما التي بقيت حبه الوحيد الذي يستميت دوما لأجل اضاءة نور في العتمة ،حاله كحال العديد من العشاق الولهانين أخلصوا كثيرا في حب السينما وأنهكهم حد الموت ،لعله حب من طرف واحد أو لعل السينما التي أحب وحلم بها اسماعيل ليست كما أراد لها أن تكون في بلده المغرب ، السينما التي حلم بها تحتاج الكثير من الصبر والجهد والمال والتضحية ، السينما منحته الضوء الحارق الذي أجج نيران الغبن ، خسر إسماعيل في الفن السابع ..خسر صحته من حسرته وخسر أبنائه وحياة مستقرة فيما قبل ، أعرف صديقي إسماعيل منذ 35 سنة وأكثر ،زار هولندا مرارا من أجل أفلامه شارك في مهرجاناتها بروتردام وأوتريخت وهو من مؤسسي مهرجان السعيدية وبيننا صداقة عميقة تبادلنا فيها حبنا لعالم السينما ولم أر يوما من إسماعيل (بنعمي كما كان يناديني وأناديه) غير الإصرار على الإبداع والطموح لمزيد من العمل ، كان عنيدا جدا يضع كل ماتبقى من مال وجهد في أفلامه فلذات أكباده .
حياة إسماعيل كانت صعبة جدا في السنوات الأخيرة قاوم دائما أزماته المتعددة بسجائره التي كانت لاتنطفىء أبدا وبابتساماته وأحيانا بلامبلاته المختزلة في كلمة ” التخربيق ” التي كان ينطقها بلكنة تطاونية عريقة .اسماعيل المبدع الطيب الأنيق انتهى كما كنت أتوقع له في جلساتنا معا ، كنت صريحا وجارحا أحيانا وهو لم يكن يرد أو يجاحدني كان يصمت ويستمع ، لكنه لا يتفاعل ، كان يدرك أني أحبه و أن قولي حق ولكنه رجل ذا أنفة ولايستسلم أبدا ، إسماعيل على كبره كان طفلا مشاغبا شغوفا بالصورة ،أرهقته حساسيته المفرطة حينما وجد نفسه وحيداغارقا في ديونه وخيباته التي كانت حتى من أقرب الناس إليه، إسماعيل كان محظوظا في آخر أيامه حينما التقي زوجته “جميلة” كان فعلا مغمورا بالأمل ويريد أن يفتح لنفسه حياة جديدة مع الحب والحياة والاستقرار ، غير أن الصحة خذلته وتراكم الآلام حوله والمطبات التي عاشها جعلت منه شخصا هشا جدا ، كان ينتظر الخلاص والأمل خاصة حينما رأى عيون وليده محمد وكأن الحياة انبعثت من جديد في قلب محمد الكبير وعادت اليه البسمة وانخفض الضغط وسرت دماء جديدة تعلن ميلاد نور متجدد ، صحى إسماعيل من غيبوبة مرضه مثل طائر الفينيق وأصبحت ملامحه ملامح طفل صغيرجدا.
عاد إسماعيل الى الحياة واستمتع بأبوة أخرى رائعة وهو يشارف السبعين وكأنه يصر أن يكون ويكون، لكن الحياة كانت صعبة جدا ولم يعد العدة لهذا المولود الجميل السعيد ..أحلام صديقي كانت أكبر بكثير من إمكانياته ، عاش حياة مزرية ولم يتسول أحدا و لم ينتظر شفقة .. كان يريد حقه فقط حقه كمواطن وكمبدع كبيرأعطى للثقافة و للسينما المغربية عموما بلا حساب ، وكانت الظروف قاسية والحال كوروني خال من الرحمة ،حلت لعنة زمن وغاب الفن ووقفنا للأسف مكبلي اليدي أمام إسماعيل الذي كرمناه وكنا نتمنى أن يكرم على أعلى المستويات لانه يستحقها وبامتياز..حاولنا أن نساعده وأن نسمع صوته مع مجموعة من أصحابه الذين يعرفون أزمته وعزة نفسه ..
كان يعاني بصمت ويتطلع لعيون محمد الصغير يستمد بعض القوة لكنه أكيد شعر بالعجز وبالخذلان وتجرع كؤوس المرأمام قدر يقوده إلى الهوان وهو عزيز النفس الذي لم يسمح أن يذل أو أن تضيع مبادئه ليتملق وينافق لأحد.رحل في أسى، قتله غبنه وشعوره باللاجدوى ..كان شامخا أبيا،قد يكون اكتشف متأخرا أن عليه أن يحيا الحياة ويهجر السينما حبه الذي عذبه طويلا لكن هيهات ضاع العمر ولم تترك السينما شيئا إلا و أخذته من اسماعيل .
كل الأمل في صغيره محمد الذي قد يحمل المشعل ذات يوم ويعيش زمن الحياة والسينما بشكل أفضل وأرقى ، رحمة الله عليك صديقي وعزيزي اسماعيل ،حزين لفراقك جدا لكنها نهاية حتمية صنعها قدرك الذي اخترت عن طواعية وهو أن تهب نفسك قربانا لعملك وفنك ..
إلى اللقاء…

اترك رد