احتضان الفلسفة والسينما بالسعودية نحو أفق جديد..

د. إبراهيم اغلان 12:58 - 5 يناير 2022

شكلا حدثان ثقافيان بارزان بالمملكة العربية السعودية هذه الأيام لحظة فارقة في تاريخ الزمن الراهن لهذه البلاد السعيدة، بل يمكن القول إنهما أشبه بقطيعة ثقافية ومجتمعية في فضاء، كانت سمته الظاهرة الانغلاق والمحافظة.
لم يكن من باب الصدفة أن يكون الحدث الأول مؤتمرا دوليا حول الفلسفة بالرياض، وأن يكون الثاني مهرجانا سينمائيا بجدة.

ذلك أن كلا الحدثين ينتمي إلى مجال ” محرم ” في زمن سابق.

الفلسفة والسينما، لأهميتهما المعرفية والجمالية، تم قتلهما رمزيا وواقعيا، بفعل شروط دينية واجتماعية وغيرها، أملتها أيديولوجية محافظة، كانت لديها كل الآليات الذاتية والموضوعية لعزل المجتمع عن الفلسفة كأفق معرفي للتفكير والتأمل، وعن السينما كسلوك وتعبير وتلقي.
أن ينظم مؤتمر دولي حول الفلسفة في الرياض اليوم، قد يثير أسئلة كثيرة، بخاصة من خارج المجال السعودي، أو على الأقل بالنسبة لي أنا الذي عشت في المملكة سنوات الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. لذا حين أقف حيال هذه الظاهرة، فليس من باب الغرابة أو الإنبهار، كما قد يبدو للبعض.

بل من باب فهم هذا الانتقال من طرد الفلسفة الى فعل احتضان رسمي ورعاية من وزارة الثقافة السعودية.
وجميل أن يكون شعار هذا المؤتمر ” مفهوم اللامتوقع “، وجعله سؤالا مركزيا في النقاش، وما يحمله هذا المفهوم من دلالات معرفية ورمزية جديرة بالتأمل. ربما يفهم من هذا التقديم نوعا من الدهشة، نعم إنها دهشة إيجابية، مفعمة بالأمل والانفتاح على مسارات معرفية وابداعية، لم يكن المثقف السعودي ببعيد عن التماهي معها.

كما أن حضور أحد رموز النخبة السعودية في أولى جلسات هذا المؤتمر، وأقصد الصديق الدكتور عبد الله الغذامي، له أكثر من معنى. فحين أذكر ما عاناه هذا الرجل في فضاءات الجامعة والاعلام والمجتمع، حيث كان ” المتوقع ” أن يجد نفسه محاصرا بذهنيات وممارسات متخلفة، كادت أن تلجمه عن القول.
إن تنظيم هذا الحدث من قبل جهة رسمية، هو موقف شجاع ومفكر فيه، واعتباره حدثا سنويا بالرياض، هو أيضا تكريس لاختيار ثقافي، سيكون له تداعيات وامتدادات ورهانات مؤثرة، بشكل أو بآخر، في مجال، سيأسس شروط الحوار والجدل والسؤال.
أن ينظم مهرجان سينمائي دولي، بحجم مهرجان سينما البحر الأحمر بمدينة جدة، هو أيضا مثار دهشة واعية بالتحولات الثقافية والاجتماعية التي تعرفها السعودية اليوم. حدث هو الآخر، يجب قراءته في هذا السياق، لأسباب عديدة، لا مجال هنا للتفصيل في بنياتها.

لكن الواضح أن اختيار مدينة ساحلية، ذات بعد ثقافي متعدد ومنفتح، له أيضا مبرراته ومسوغاته بغض النظر عن هوية المهرجان وفلسفته. ما كان يوما ما من باب المستحيلات والمعجزات، أصبح الآن تصورا وممارسة، لخلق فضاء الفرجة والتعبير في أفق صناعة سينمائية وطنية، لها كل المؤهلات الطبيعية والاقتصادية والجمالية، القادرة على إنتاج سينمائي منافس، إقليميا وعربيا ودوليا.
أن تحتضن الرياض، بحمولاتها التاريخية والسياسية والرمزية، الفلسفة أفقا للتفكير والنقاش، وأن تحتضن جدة ، بساحلها المنفتح على الآخر، السينما أفقا للفرجة والجمال، فهذا دليل على أن استراتيجية الانتماء الى العالم، كما أرادها أولوا الأمر في هذا البلد العزيز، لم تعد رهينة خطابات سياسية واقتصادية ومصالح ومنافع هنا وهناك، بل أساسا انتماء ثقافي بامتياز. والثقافة اليوم، كما هو معروف، محور مركزي في تسويق صورة جديدة، وإنتاج جديد، يراهن على المعرفة والحرية

والمثاقفة، عمادها المواطنة كشرط أساس للإنتماء الفاعل والمتفاعل على حد سواء.

إنها رؤية استراتيجية واضحة، تتطلب بعض الوقت لتغيير عقليات وبنيات وممارسات، تنتمي إلى زمن الانغلاق والخوف من الهويات العابرة للقارات.
أجد نفسي مندهشا لهذه التحولات ومساندا لها في بلاد، كم هي معرضة للمواقف والأقوال النمطية التي أنتجها الأشقاء والغرب، فإن هي بقيت منغلقة ومحافظة، فتلكم مؤشرات التخلف والعزلة؛ وإن هي بادرت بالانفتاح، فتلكم بوادر الانحلال.
أتركوا عنكم هذه الكليشيهات المتكررة، ودعوا البلاد لأهلها، فهم وحدهم يدركون أن المرحلة الراهنة تقتضي الانتقال الواعي والمفكر فيه نحو أفق جديد، للمرأة حضورها الطبيعي والمندمج، وللشباب شغفه في الحياة، وللأطفال أسئلتهم، وللمجتمع ككل في أن يمارس انتماءه لذاته وللعالم.
سعيد بمثل هاذين الحدثين الثقافيين وغيرهما، وسعيد بأن تدعم الدولة مثل هذه المبادرات. فأهلنا في المملكة العربية السعودية يستحقون هذه الدينامية الثقافية والمجتمعية، والتي لن تكن إلا بداية طريق نحو تغيير أكيد، حذر وضروري، للمساهمة في الثقافة الإنسانية، فاعلة ومتفاعلة.

 

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *