البوناني أو راس العام

سميرة مغداد 19:40 - 24 ديسمبر 2015

كنا إلى عهد قريب ننتظر “راس العام” بشغف لشراء بطاقات المعايدة وتبادل التهاني، وهي بطاقات كنا نسميها “البوناني”. لم يعد ذاك الزمان قائما ولم نعد نتجول بين المحلات لاختيار بطاقات تحمل ورود حمراء تتلألأ بنقاط فضية لامعة.
كانت البطاقات مثنية تفتح قلبها على عوالم من الورود والعربات التي يسوقها بابا نويل وغزالات وظبيان وسط ثلوج بيضاء تسرح بخيالاتنا إلى دنيا ساحرة، فيها بابا نويل، هذا الرجل العجيب الذي اعتقدنا به جدا واعتبرناه، مثل النصارى، رجلا حقيقيا يأتي بالهدايا الجميلة والحلوى والشوكولاته.
كنا، ونحن صغارا، نحتفي مع الآخرين بشكل اعتباطي ولا نعرف مغزى الاحتفال. ما كان يهمنا أنها كانت فرصة جميلة لتبادل التهاني، فقد كنا نشعر بسعادة خاصة ونفرح أيما فرح حينما تصلنا بطاقات مزركشة بالفضة والذهب والثلج والورد من أحبائنا المغتربين في أوروبا. كنا نغبطهم على “البوناني” هناك ونعتقد أنه مليء بالحلوى والدفء والهدايا المثيرة، لكن البطاقات والتعابير الجميلة التي كانت تحملها اندثرت وتحولت إلى نبضات إلكترونية سريعة تتشابه.
في كل مكان كان “راس العام” مناسبة مميزة في ذاكرتنا تشعرنا حقيقة أن ثمة شيء يتغير ويتحرك للإقبال على مرحلة جديدة ونفس آخر من حياتنا. لم نكن نصاب بحمى الاحتفال رغم أننا كنا نسمع، ونحن نحتفي بحلوانا بين أسرتنا الصغيرة أو بين أقاربنا، أن عالما آخر يحتفي براس العام داخل الفنادق الكبرى والفضاءات المخملية، عالم لا يشبه بساطتنا وكفافنا وفيه الكثير من اللهو والرقص والسكر والعربدة، وقد ينتهي أحيانا بفوضى عارمة وحروب بالسيارات في الفضاء العام. كنا نشعر بقليل من الرهبة من هذا اليوم. كان يصيبنا فضول هذا العالم وبعض من الاشمئزاز، خاصة بما يتضمنه من انحرافات عن أصول مجتمعنا كما نشأنا عليها.
تغير بي الزمان وعشت أجواء “راس العام” ويوم ميلاد المسيح وسط النصارى السنة الماضية، فوجدته احتفالا مميزا يتوزع بين العبادة والاحتفال بالأكل والشرب. ربما هو لا يختلف عن عيدنا الذي يصبح فرصة للاستثمار في الاستهلاك وشراء الحلو والأكل والهدايا. النصارى يشبهوننا ليلة أعيادنا لكن أكلهم مختلف. يأكلون ويأكلون ويشربون ويشربون حتى الصباح. الفرح عندهم علني يتم بكؤوس النبيذ في الفضاءات العامة، بينما نحن نتبادل أنخاب كؤوس الشاي، وحتى إن حضر الخمر بين بعض المغاربة فهو مستور لا يراه إلا “المبْليّون”.
في أوروبا يُقبل الشباب على المفرقعات كما نحن في عاشوراء، وقد يعبثون بها فتحدث حوادث هنا وهناك. وكل عام في احتفالات راس السنة يحذر المسؤولون وينبهون الشباب الى مخاطر هذه المفرقعات.
من يرى فوضى الشارع الأوروبي ليلة الاحتفال قد يتساءل ويقول إن كان فعلا الأوروبيون أفضل منا. هم هنا يظهرون على حقيقتهم وسجيتهم. قد يكسرون ويصرخون ويرموا بأزبالهم في كل مكان، لكنهم محظوظون بأنظمة صارمة تعاقب وتزجر وتضع غرامات، بل تحتضن هذه الفوضى وتتصدى لها في عز الاحتفال. الشرطيات والشرطيون يتوزعون بكثرة وكثافة في كل مكان في مدينة الأنوار ينظمون السير بحزم وسط السكارى والمعربدين والمتفرجين السياح أمثالنا. قد تكون المشكلة في أنا التي كنت أرقب من بعيد دون أن أندمج وأنصهر وسط الزحام المتدفق نحو برج “إيفل” وأقواس النصر بالشانزيليزي حيث فضلت أن ارقب عالم باريس الليلي في احتفالات راس العام تحت زخات المطر والناس بين المشي والهرولة والوقوف وهم يحملون كؤوسا وزجاجات نبيذ، وما إن أشارت الساعة للثانية عشر من منتصف الليل حتى علا الصراخ وفتحت الزجاجات وتبودلت القبل والعناقات. انتظرنا أنوار الاحتفال لكنها لم تظهر واكتفى البعض بمفرقعات هنا وهنا وعلت أصوات دوريات الشرطة واستمر الراجلون والمشاؤون في حالهم.
تركناهم على حالهم وعدنا إلى ديارنا امنين وفي البال أماني للعام الجديد قد تتحقق وقد يتكرر العام والأعوام دون أن يتحقق شيء سوى مظاهر احتفال تختلف هنا وهناك ونستعيد معها ذكرى أحبة راسلناهم ذات “راس عام” ببطاقات ورد وعربات “بابا نويل” تجرها تلك الغزلان وسط الثلوج البيضاء ودور جميلة ودافئة توحي أن العالم بخير.
لقد كبرنا وفهمنا.. وكل عام وأنتم بخير

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *