العجائبي و البعد الوجودي في “الأبيض و الأسود” لعبد الباسط زخنيني.

زهير عزاوي 12:09 - 10 نوفمبر 2021

تشهد الرواية تطورا كبيرا و باستمرار رغبة منها في التجديد و خرق النظام السائد و المألوف بنظام غير مألوف. و من مظاهر الخرق الذي مس بناء الرواية هو توظيفها للسرد العجائبي في قالب مختلف, لا يهتم بالعوالم السحرية التي تثير الدهشة فقط, و إنما يسوده الغموض و التمرد و المفاجآت للتعبير عن واقع كثير التحول, أصبح من الصعب الإمساك به.

تعد  ” الأبيض و الأسود ” للروائي المغربي عبد الباسط  زخنيني, و الحاصلة على جائزة توفيق بكار للرواية دورة 2018, من بين أهم الروايات التي برعت في توظيف الخطاب العجائبي بتقنياته ” الحديثة”, و التي تبحث دوما عن طرح أسئلة هامة ذات ابعاد فلسفية و وجودية تركزت حول مصير الإنسان و ماهية الحياة. قد تبدو أسئلة بسيطة لكن يمكن اعتبارها اللبنة التي تنبني عليها الكثير من العلاقات بين الناس. و نلحظ أيضا أن العجائبي في” الأبيض و الأسود” استفاد كثيرا من علم النفس, فهو موجه بعناية للدفع بالنفس البشرية لإظهار المضمر, و الكشف عن المكنونات التي تحدث الحيرة و التردد الذي يرتكز عليهما الخطاب العجائبي.

جعل الروائي من تقنية الحكي العجائبي مكونا مهما لبنية النص. فمنذ الوهلة الأولى و هو يرسل إلينا الكثير من الإشارات التي تصور الحيرة و الضياع و الخوف الذي تعيشه الشخصيات في هذا الواقع المتقلب. و اختيار «الغابة” كمكان تدور فيه أحداث الرواية, و الزمان “ليلا” لم يكن اختيارا اعتباطيا بقدر ما هو فضاء و زمان يخلقان الدهشة و الرعب في نفوس الشخصيات, و يخدمان الحكايات العجيبة؛ كما هو شائع في حكايات ألف ليلة و ليلة. حيث ” الأشجار كالأشباح”, ” صوت الرعد الهادر الغاضب”, ” الأنفاس اللاهثة الخائفة”و “صخب الطبيعة المجنون الأرعن” كلها تعابير لغوية الغرض من توظيفها خلخلة سكون الواقع الذي يمهد لتداخل اللاواقع بالواقع. و هذا يؤدي إلى حدوث الحيرة, التي يبحث عنها الروائي, عند القارئ و الشخصية معا أحيانا. كما نسجل بوضوح حضور معجم لغوي حيواني كثيف يسبق التحولات التي ستعرفها الشخصيات لاحقا.

ومن بين أبرز التقنيات التي اعتمدها الروائي عبد الباسط زخنيني نذكر: تقنية المسخ و التحول, السخرية, الأليغورة و الحياة بعد الموت. و هذه المواضيع ليست هدفا في حد ذاتها كما هو الشأن في العجائبي التقليدي, بل تتميز عنه بكونها أداة يمكن بواسطتها نسج و بناء سرد حديث يوظف التقنيات الكلاسيكية.

  • المسخ/التحول
  • غالبا ما يستحضر القارئ, عند الحديث عن المسخ/التحول, رواية التحول La Métamorphose  لفرنز كافكا. و هي واحدة من بين أشهر الأعمال الروائية للقرن العشريين. و التي أعاد فيها  كافكا رسم العالم بلون أسود. و يمكن القول أن كافكا يملك القدرة التصويرية الكافية التي تجعل من القارئ يعيش لحظة الحيرة و الإدهاش. فمنذ البداية, يقول: ” استيقظ جريجور سامسا  ذات صباح بعد أحلام مزعجة, فوجد نفسه قد تحول في فراشه إلى حشرة هائلة الحجم”. هكذا يصور كافكا عالمه السوداوي, الذي تحول فيه الإنسان إلى حشرة بدون كرامة, قد تدوسه الأقدام في أية لحظة. لكن الروائي عبد الباسط زخنيني تختلف نظرته إلى العالم, فهو يصوره بلونين متباينين, إنها لعبة صراع الألوان؛ الأسود لون الضجر و الشر, و بالأبيض لون الأمل و النور و الخير.

في ظل هذا الصراع الأزلي القائم بين الخير و الشر لجأ الروائي إلى الخطاب العجائبي معتمدا على تقنية التحول ليرصد لنا بوضوح النزيف الداخلي الذي تعيشه الشخصيات. إن أول مسخ/تحول عرفته الرواية هو مسخ الطفل العاق الذي أصيب بالإرتباك و التردد عندما وقف قبالة المرآة. فقال: ” هذه المرآة تعكس صورة غريبة لي.. كيف أقولها.. صورة مشوهة مسخة..”. إن صورته المرتدة من المرآة كانت تشبه إلى حد كبير قردا لا يحترم أحدا. غادره الخيره و سكنه الشر في أبعد حدوده حتى أصبح يتبول في إناء الماء الذي قدمه لجده. الهلع الذي تعرض له الطفل تعرضت له كل الشخصيات.  هكذا بدأ التحول يلاحقها الواحدة تلوى الأخرى. تحول المراهن إلى سلحفاة ” كثيرة البقع.. كل كذبة كذبها تحولت إلى بقعة جديدة علقت بظهره..”. و تحول الطبيب إلى جمل يشخص أمراض الزبائن و لا يتعرف على مرضه. و الشقراء إلى طاووس بشعة. و الجد إلى زرافة صغيرة العقل. و نلحظ أنه كلما انتهى ذلك الإدهاش و انتهت تلك التصورات المخيفة و عادت الشخصيات إلى عالمها العادي ابتعدنا عن العجائبي.

إن توظيف الخطاب العجائبي و الغرائبي يسعى إلى تكسير الرتابة التقليدية, و إعادة بناء سرد مختلف. لذلك اتخذ من المرآة وسيلة جادة, لما لها من دلالات و إيحاءات جمالية و فلسفية, لإبراز الحيوان الذي يعيش داخل كل منا. و أيضا جعلها تعكس إلى الخارج ذلك العالم الداخلي الأسود للإنسان الذي أبرم عقدا مع الشيطان مثله مثل  “فاوست Faust ” مقابل قبض روحه.

  • الأليغورة ” L’allégorie”.

يتخلل السرد الكثير من الأوصاف لوقائع فوق-طبيعية. نذكر بعضا منها: “ارتميت مرة أخرى في حضن المدينة, كانت تنظر إلي نظرة غريبة, نظرة تختلف تماما عن نظرة زملائي بالعمل. كانت تعرف كل شيء, لم يخبرها أحد, رأت كل شيء بعينيها…أينما مررت كانت النباتات العطشى تزداد شحوبا”. و يضيف ” حتى ظله أصبح لا يرحب به, لا يثق به..فقد لاحظ ما فعله قبل قليل هو الذي يعرف يقينا أنه أقرب شيء إليه”. إن هذه الكلمات و أخرى موجودة في النص تحمل معنيين معنى حرفي و معنى مجازي, الذي هو المعنى الأليغوري. و إذا عدنا إلى العجائبي كما وضحناه سابقا, على أنه محصور في مدة التردد, فإذا ما انتهت هذه المدة فإنه يذوب في أحد الأجناس القريبة منه كالعجيب و الغريب. غير أنه توجد أجناس أخرى يمكنه الإستقرار عندها  و هي التخييل الشعري و الأليغوري. و كما يوضح تودوروف في كتابه “مدخل إلى الأدب العجائبي” ” إذا كان ما نقرأه يصف واقعة فوق-طبيعية, و كان يتعين مع ذلك فهم الكلمات لا بالمعنى الحرفي, و لكن بمعنى آخر لا يحيل إلى أي شيء فوق-طبيعي, فإنه لم يعد يوجد ثمة مكان للعجائبي”ص89. بناء على هذا التعريف يمكن للقارئ أن يسجل حضور الخطاب العجائبي  إذا حرص على فهم المعنى الحرفي, و ذلك بالتحديد عندما تكون الكلمات مستعملة مجازيا.

ت-  السخرية.

ضمّن الروائي في النص القصة المشهورة ب” الملك العاري” و الموسومة ب” الملابس الجديدة للإمبراطور” ” Les Habits neufs de l’empereur “. و فوّض السارد للطفل الشخصية مهمة حكيها. و توظيف هذه القصة جاء من جهة لتمديد السرد, و من جهة ثانية, لإماطة اللثام عن مجموعة من الظواهر الاجتماعية المشينة و الفاضحة. لقد حاول الطفل ببراءته و صراحته ( أحيانا تخرج الصراحة من أفواه الأطفال و المجانين ) أن ينبه جميع الشخصيات لصفقة الزوجين القذرة عندما صرخ : ” لكنهم يتبادلون زوجاتهم “. لكن لا أحد ينصت له, مما زاد من تأزم الوضعية. أمام صمت الجميع كانت لطفل زخنيني, الذي أبصر كل شيء, الشجاعة ليتكلم. التعجب الذي لا يمكن كبته جعل أيضا طفل هانس أندرسن, الذي رأى كل شيء, يصرخ: ” أيها الكذابون … إن الملك لا يرتدي أية ثياب !! إن الملك عار … الملك عار تماما.. “. الصرخة البريئة الواحدة جعلت الأقنعة تسقط, و يسقط أيضا الخطاب العجائبي لتظهر حقيقة هذه المفارقة العجيبة, و سرعان ما بدأ الناس يبصرون ” بأعينهم “.  و يمكن أن نسجل أن تجاوب الناس الإيجابي مع طفل أندرسن وضع حد لصناعة الأسطورة الخادعة و الكاذبة. هكذا تأتي القصة المضمنة بهدف أخلاقي, تحذر الشخصيات و القارئ من العواقب التي تنتج عن الصمت, بدل الجرأة على التكلم و التغيير.  يمكن القول أن الروائي أحسن اختيار القصة لتنبيه شخصياته الصامتة و كذلك القارئ, نظرا لما تعرفه من تشويق و إثارة و مأساة, و خاصة توظيفها لأسلوب السخرية الذي يعتبر من أهم الوسائط التي يعتمد عليها الخطاب العجائبي, و الذي يهدف إلى الإضحاك و النقد معا.

ث- الحياة بعد الموت.

في مشهد قريب من أحداث رواية بوليسية, بينما كانت الشخصيات تخطط لإخفاء الجثة و التستر عليها حدث أمر غير متوقع, يفوق التصديق, مثل الحلم (situation onirique). ” لم يمت.. ( المهندس) نهض, شعر بالعطش”. العودة إلى الحياة بعد الموت لا يستطيع العقل تفسيرها, لأنها خرجت عن قوانين الطبيعة كما نعرفها. هذه الولادة الجديدة أخرجت الحكاية من الأزمة, فدفعت بالعقدة نحو الإنفراج, مما جعلنا نبتعد عن أصل القصة و نسقط بشكل فجائي في حدث فوق-طبيعي, هو العودة إلى تصحيح الأخطاء. هكذا يرصد النص بوضوح أن الحبكة ليس لها دور كبير في هذا النص الروائي, هي منظمة للسرد ليس إلا. لأن غرض الروائي هو إبراز تلك الرؤية الأخلاقية و الفلسفية إزاء الحياة. لذا تتخلل نصه الكثير من الأسئلة الوجودية. فمن خلال التخييل تارة يحذرنا من ظاهرة و يخشى من تفشيها بين الناس معبرا عنها بأسلوب ساخر و خارق أو بمشهد مستفز و مذل, و تارة يبشر بالخير و يتمناه, و يبينه في الفقرات الأخيرة من الرواية المعنونة ب”فجر يوم جديد”. فعلا, إنه فجر يوم جديد, ضوء الصباح, ذلك البياض و النور المصحوب بالسكون و الأمل الذي يظهر و يمتد في الأفق. إنها صحوة الضمير؛ مشاعر الندم لحقت بجميع الشخصيات كما لحقت راسكولينوف هذه الشخصية المنفصمة, المليئة بالمشكلات النفسية العجيبة. التوبة جعلت ” الضوء يتسرب إلى أعماقهم, يتسرب مع مسامعهم, يملؤها خيرا بعدما امتلؤوا شرا”.

تمثل “الأبيض و الأسود” مجموعة من التساؤلات و التأملات و الحكايات و الأحداث التي توحدها تيمة الخير و الشر. و التي تصورها بأسلوب عجائبي حديث يطرح قضايا إنسانية في بعدها الوجودي تقدم لنا صورة للإنسان في لحظة ضعفه و قوته. و ما يميزها رغم سوداوية الكثير من الأحداث, فهي كأغلب مواضيع الأدب الكلاسيكي, تهدف إلى صناعة مثال جمالي و أخلاقي مبرزة قوة الضوء في نفوس الشخصيات. و تختلف مع ما بعد البنيوية في نظرتها التشاؤمية إلى الحياة, و التي ترى أن المعارك الوجودية مآلها الفشل. كما يعبر عن ذلك ميلان كونديرا في كتابه الستارة, بقوله: ” حياة الإنسان في حد ذاتها هي هزيمة “,” La vie humaine en tant que telle est une défaite “.

كاتب مغربي مقيم في باريس.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *