المبدع عيسى يكن مفرد بصيغة الجمع

جمال المحافظ 12:15 - 21 فبراير 2016

برحيل المبدع عيسى يكن تكون الساحة الفنية والأدبية والتربوية الوطنية فقدت أحد أعمدتها، الذين لبوا داعي ربهم مخلفين وراءهم رصيدا ثريا سيظل نبراسا للأجيال المقبلة في حقول متنوعة.

فقد كان الفقيد متعدد الاهتمامات والعطاء، حيث تمكن من ملامسة جوانب إبداعية متعددة شملت، بالخصوص، حقول الفن التشكيلي والشعر والرواية والتشكيل الذي كان يعد، ضمنه، من رواد مدرسة تصغير الشكل بالمغرب، وهو الأسلوب الذي تميزت به لوحاته وطبع بها مسيرته في هذا الميدان الفني رسما ونحتا، وتصميم المجوهرات.

لقد اشتغل الراحل يكن، في لوحاته الأخيرة، على ما وراء الرمز أو العلامة، فلوحاته تمزج بين الرسم والنحت والصباغة، ويجمعها الرمز الذي يعبر عن نفسه، فهو ليس عنصرا – كما جاء على لسان الراحل في معرضه الأخير بالمكتبة الوطنية بالرباط – للديكور ولكن حاملا للثقافة والجمال.

وإذا كان انشغال الراحل (79 عاما)، في مراحل حياته، بعد مغادرته للعمل الإداري بوزارة الشبيبة والرياضة، قد خصصه للفن التشكيلي، ما جعله معروفا لدى المهتمين بكونه من رواد هذا الفن، فإن الحركة المسرحية الوطنية مدينة له بالدور الطلائعي الذي قام به في مجال الإبداع المسرحي منذ ستينيات القرن الماضي، حيث كانت له أيادي بيضاء على الحركة المسرحية منذ بداياتها الأولى، من خلال دعم فرقة المعمورة بعدد من الأعمال المقتبسة عن كبار رجال المسرح العالمي من قبيل شكسبير، من خلال روائعه “تاجر البندقية” و”عطيل” و”هامليت” التي ترجمها على المسرح الراحل أحمد الطيب لعلج، علاوة على راوئع أخرى من التراث المسرحي الخالد.

وتشجيعا منه للحركة المسرحية الشبابية، ساهم الراحل يكن، لدى تحمله مسؤولية مدير الشباب والطفولة في أواخر سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي، في دعم هذه الحركة، من خلال الجامعة الوطنية لمسرح الهواة، ودفاعه المستميت عن التكوين المسرحي وحرية الرأي.

فإلى جانب تشجيعه للعمل المسرحي كان من رواد نوادي الثقافة الشعبية في فترة الستينيات، التي تحولت فيما بعد إلى دور الشباب التي دافع عن هويتها التربوية والثقافية باعتبار مركزيتها في التنشئة الاجتماعية.

وقد عمل الراحل يكن، الذي وافته المنية يوم الخميس الماضي بالرباط، طويلا بوزارة الشباب والرياضة، اضطلع فيها بمهام رئيسية، حيث انتقل من رئاسة مصلحة ورشات الفنون التشكيلية والموسيقى والممارسة المسرحية إلى أن تولى مهمة مدير الشباب والطفولة والشباب ثم مديرا للمعهد الملكي لتكوين أطر الشباب والرياضة.

وكان الراحل يتميز بدينامية ملحوظة خاصة من خلال ربطه لعلاقات متميزة مع منظمات الشباب والطفولة المغربية لإيمانه الراسخ بكون العمل الجمعوي يظل إحدى القنوات الرئيسة في بناء البلاد، فكان من المبادرين إلى إيجاد آليات الشراكة مع هذه الهيئات حيث بادر إلى إحداث اللجنة الوطنية للتخييم سنة 1983 والتي تمكنت في ظرف وجيز من تنظيم خمس مناظرات وطنية خصصت لهذا القطاع الحيوي، كما عمل على إحداث آلية للتدبير المشترك بين الوزارة والجمعيات الوطنية الذي انطلق من مخيمات إفران.

فدور الراحل لم يقتصر فقط على تطوير العلاقات الدولية للوزارة في ميدان الشباب، ولكن أعطاها بعدا مؤسساتيا لإيمانه العميق بالانفتاح على تجارب عالمية رائدة حيث يعود له الفضل في إدراج التعاون وتبادل زيارات وفود الشباب المغربي مع نظيره الأوروبي والمغاربي والعربي ضمن بروتوكولات التعاون بين المملكة والبلدان الشقيقة والصديقة، ما فتح الباب لأطر وشباب المنظمات الجمعوية للاحتكاك مع تجارب أخرى

وقد جسد ذلك حتى في لوحاته التشكيلية في معرضه تحت عنوان “ما وراء الرمز أو العلامة” الذي أثت، مؤخرا، فضاء المكتبة الوطنية بالرباط، باعتبار أن التبادل – في نظره – “يستند على عناصر متجددة من أجل معرفة الآخر لاكتشافنا”. فالفقيد كان يحرص في إبداعاته باستمرار على الغوص في تاريخ الإنسانية من خلال هذه الأعمال الطافحة بالرموز والنقوش والأساطير برموزها وحكاياتها الملحمية لحضارات البحر الأبيض المتوسط والمغرب العربي وإفريقيا والعالم العربي في أبعادها الغرائبية الممتدة عبر التاريخ.

كما أنه أشرف على انطلاق حفلات أعياد الطفولة والشباب ما بين سنوات 1975 و1984، والتي كانت احتضنتها إفران والمعمورة، والتي كانت تنفرد بطابع خاص لحفلات افتتاحها واختتامها. كما أنه تولى مسؤولية مدير للألعاب العربية التي احتضنتها مدينة الرباط سنة 1985 ثم ألعاب السلام بإفران والألعاب الفرانكفونية والألعاب الإفريقية بالدار البيضاء وهي تظاهرات كانت تعد من أكبر المهرجانات الرياضية على المستوى العربي والإفريقي والإسلامي.

يقول محمد القرطيطي، رئيس الجامعة الوطنية للتخييم وأحد أطر وزارة الشباب والرياضة التي كانت مسؤولة إلى جانب المرحوم يكن عن قطاع الطفولة، “إن يكن كان رجلا عصاميا ومجددا وكان رحمه الله سابقا على عصره”.

إن الأدوار الطلائعية التي قام بها الفقيد – كما جاء في نعي حلقة الوفاء لذاكرة محمد الحيحى وهي إحدى منظمات المجتمع المدني المختصة في حفظ تراث الحركة الجمعوية – في مجالي الشباب والطفولة وترسيخ قيم التطوع في صفوف الشبيبة المغربية والدفاع عن مكتسبات الطفولة والشباب “ستظل خالدة في ذاكرة المجتمع المدني وعاملا ملهما في برامجه”.

وكان عيسى يكن عبر، في مداخلة موجهة لندوة فكرية نظمتها “حلقة الوفاء لذاكرة محمد الحيحي” مؤخرا في موضوع “إستراتيجية النضال التربوي في مجال الطفولة والشباب”، معارضته الشديدة لتعبئة إمكانيات مهمة لقطاع الرياضة على حساب أنشطة الشباب والطفولة. فقد دافع المرحوم طيلة حياته على تكوين وتأهيل الشباب والعمل على إدماجه الاجتماعي وإعلاء قيم التطوع مع الاعتراف بحقوق الشباب وإشراكه في مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية وبناء المغرب الجديد.

وكان رحمه الله اقترح إحداث متاحف على شاكلة متحف محمد السادس للفن المعاصر بالرباط عبر كبريات المدن المغربية، من أجل ضمان إشعاع ثقافي أكبر لهده الفنون. وكما جاء في نعي الائتلاف المغربي للملكية الفكرية فإن يكن كان “مثالا للمثقف الملتزم بالقيم الإنسانية الرفيعة فكريا، وعبر مختلف مسارات مشواره الفني الطويل والمشرق” وما الحضور الوازن والنوعي لتشييع جنازته بمقبرة الشهداء بالرباط أول أمس الخميس لكل أطياف الحركة الجمعوية والفنية في تعدديتها، لجنازة الفقيد إلا دليل على المكانة التي كانت له ليس فقط لدى الأجيال السابقة ولكن أيضا لدى الأجيال الصاعدة.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *