الياس العماري… “ميس نثمورث” الذي عرفته

سميرة مغداد 14:48 - 18 يناير 2016

image

قد يصعب اليوم الحديث عن إلياس العماري كصديق، فقد أصبح الرجل أشهر من نار على علم. ومن سيتحدث عنه وكأنه يعرفه فقد يكون مخطئا جدا، أو سيتهم بالتودد لرجل نافذ اليوم في دهاليز السلطة المغربية..
لا أدعي أني اعرف إلياس جيدا أو لا أحد يعرفه اليوم أصلا مادام رجلا خبر كواليس الحكم، لكن ظروفا وزمنا جمعتني به بفضل أصدقاء مشتركين. قد تمنحني كصحافية وصديقة قديمة بعض الشرعية للتأمل في مسار الرجل ابن مدينتي الحسيمة.
والحقيقة أن إلياس، الذي عرفته أيام مكتب “الشرق الأوسط” الزاهية في عهد الصديق على أنوزلا، لا يختلف عن إلياس الحالي.. مازال يملك نفس النظرة الحادة ببريق ذكاء ودهاء خاصين، ونفس الابتسامة الساخرة، أحيانا، والماكرة، أحيانا أخرى.
إلياس كان قريبا جدا من الصحافيين، لا يمر يومه دون أن يلتقي ويسهر ويسامر أو يجادل صحافيا في كل ما جد واستجد. رجل مرح يقظ.. شرس في النقاش، يثير حياة خاصة في جلسات أصدقائه..
أذكر أنه كان يسمي علي أنوزلا بـ”علي الكرامة”، لأن علي كان دوما يردد: كرامتي لا تسمح.. وأذكر أن أول من كتب عن إلياس هو الصديق عمر أشن الذي سماه بـ”سفير الحسيمة في الرباط”.. كنت سعيدة بمعرفة إلياس خاصة وأنه ابن البلد “ميس نثمورث” بالريفية وهو أيضا كان يناديني “إيجس نثمورث”. اعترف أنني شخصيا أصاب ببعض العصبية القبلية أمام ناس الريف.. عرفت إلياس مجلجلا وسط أصدقائه مليئا بالطاقة والحيوية، أينما حل كان النقاش والقهقهات والتنكيل الظريف ببعض الشخصيات، وأحيانا النقد اللاذع الذي لا يرحم، هو أيضا كان صدره رحبا جدا لا يغضب من قفشات وتهكمات أصدقائه.. كنت أعرف أنه شاب عصامي جاء من الريف، وعمل في كل الأعمال، ومارس التجارة، وكان شريكا في مطبعة، وكان متزوجا من امرأة فاضلة ليست ريفية، وله أطفال ويعيش في الرباط…
ولعلني أكتب، اليوم، عنه بدافع الفضول عن تجربة شخص عاينته عن قرب، وكانت تصلني أخباره باستمرار من هذا وذاك. لا أحد كان يتنبأ بمصير إلياس، أو على الأصح بطموحاته الكبرى. ولربما حتى هو نفسه سيق إلى قدر أكبر من تكهناته، إلا أنه قدر كد من أجله أيضا.. فلا أحد كان ينكر أنه شخص طموح بلاحدود، يعشق مجالسة الكبار في الثقافة والسياسة والصحافة والمال والأعمال، وإن كانت الصحافة، في تقديري، هي من فتحت له أبواب الكبار.
حينما أتابع الصراع الدائر بين إلياس وبنكيران، أتامل الرجلين معا، وأقف أحيانا مشدوهة لروح القتالية والاستماتة في الدفاع عن وجهات النظر والمواقف التي تفرقهما، لكنهما يجتمعان في قوة الحضور السياسي والإعلامي.. لا شيء، في تقديري، يصنع وهج إلياس سوى ولائه التام لأصدقائه، سواء كانوا داخل أو خارج السلطة، وسلطته على الآخرين، تأتي في نظري من شخصيته المتنوعة القادرة على استيعاب كل الناس تقريبا.
إلياس انتزع ثقة ومحبة الكبار بشخصيته وحيويته وطاقته الإيجابية كما نسميها اليوم.. وأجزم أنه رجل لطيف المعشر وخدوم وينسجم مع كل الأمزجة الإنسانية… لا مبرر ولا مجال للفشل عنده.
كل الطرق والمسالك تؤدى وأدت بإلياس إلى هذا النجاح والتألق الذي تحفظ ويتحفظ عليه بعض أهل الريف أو غيرهم.
مرة، قال أحد الريفيين لو كان عبد الكريم الخطابي بيننا اليوم هل سيقبل نموذج إلياس؟ الجواب كامن في أن بطل الريف لا يتكرر وعاش لزمن هو زمنه هو لا غير، أما هذا الزمن فهو زمن إلياس العماري وقد يجود الزمان الأتي بأسماء أخرى قد تفاجئنا وتصنع الحدث.
الناس ناكرة للفضل في غالب الأحيان، ولا تعترف كثيرا، لذا فالعماري لم يأبه بما قد يقوله الآخرون، ومضى إلى حلمه بشجاعة، وجرب كثيرا من الطرق كما قلت، لأنه رجل براغماتي لا يعرف التردد، والغاية تبرر الوسيلة…
دهاليز السياسة تتطلب رجالا ونساء يتقنون اللعبة ويدافعون عن أنفسهم وأفكارهم واختياراتهم بشتى الوسائل.. نموذج إلياس كشخصية عمومية قد لا يدرس في الجامعات، لكنه أكيد سيحل ضيفا على أكبر الجامعات الدولية لتقاسم تجربته في الحياة، بل وقد يلهم مساره الخاص بعض المتحمسين للوصول إلى مراكز القرار، خاصة حينما تأتيك الفرصة وتفتح لك أبواب السماء التي لا تفتح إلا نادرا.. المهم أن تقفز على الفرصة بجدارة…
أحيي في إلياس الإنسان شجاعته وإخلاصه لكثير من الصداقات.. لم تسعفني نفسي أن أتقبل منطق إلياس من أيام جمعية الريف الأولى، كنت من المتأملين من بعيد في مسار الرجل الريفي الصاخب، وسمعت عنه حكايات تشبه حكايات جدتي في الريف عن الأبطال المغوارين والرجال الأشداء، وهي لا تخلو من روح الدعابة والمبالغة الظريفة. لكنه هو يصر، دائما، أن يقول إنه مجرد مواطن عادي من الريف “ميس نخديجة”، مع تسكين الخاء، ليصر مرة أخرى على انتمائه لجبال الريف الشامخة وطبيعتها القاسية التي جعلت من أناسها أناسا مختلفين. لكن، اليوم، كثيربن يريدون أن يصبحوا على غير أنفسهم مثل نكتة الريفي الذي أراد إنكار انتماءه، ففضحته لهجته أمام إحدى الجميلات وهو يقدم نفسه “خوك رباطيغ”…
الريفي لن يكون فاسيا أو رباطيا أو تطاونيا.. هناك نغمة تفرضها اللغة والأرض والمزاج.. لكنه يمكن أن ينصهر في ثقافات أخرى بعد أن فكت العزلة عن أبناء الريف واقتحمت التكنولوجيا كل الأبواب الموصدة.
وعودة لإلياس وبنكيران أراهما معا يتشابهان واحد ريفي، وآخر فاسي. إلياس يتردد اسمه الشخصي أكثر لأنه فعلا صنع نفسه بدون أن يكون سليل عائلة معروفة، وبنكيران له حظ الاسم الرنان.. صراعهما صراع من أجل الحلبة السياسية، والبقاء فيها يتطلب التمرس الدائم وتجريب كل الأقنعة… المهم أن يكون الإنسان فيهما كائنا حيا لا يموت، وأن يشغلهما، رغم اختلاف المرجعيات، حب الوطن ويستيقظ الإنسان فيهما دائما..
الحياة كلها، في النهاية، ما هي سوى متاع للغرور. شعلة الضمير هي التي لا تموت، وتخلد أعمال رجال ونساء يبصمون التاريخ، ليقولوا كلمتهم بعنفوان وشجاعة.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *