بنكيـــران الذي لا يتعلم من تشرشـــل

محمد أحداد 13:09 - 11 نوفمبر 2018

خرج بنكيران، مرة أخرى، ليتحدث في نفس اليوم الذي تحدث فيه العثماني أمام طلبة المعهد العالي للإعلام والاتصال. بنكيران سياسي حظي بمقدار ما من الشعبية لدى الناس، لكنه لا يستوعب الدروس ولا يتعلم أو يصر على ألا يتعلم. لقد تحدث عن كل شيء وعن لا شيء أيضا!

حتى في أقصى لحظات عزلته السياسية، يصر عبد الإله بنكيران على ألا يفهم الدرس المخزني القديم.. لا يريد أن يفهم أن الدفاع عن الملكية ومحاولة إثبات أن حزبه صار يدافع بشراسة عنها لن يفيده في شيء، وإلا لما ذهب إلى حيِّ الليمون بعد الإعفاء الملكي لينكفئ على نفسه وليتحول إلى مزار لبعض ممن يشدهم الحنين الآسر لمواجهة التماسيح والعفاريت والثعابين. خرجة دون معنى، ودون خطاب سياسي، وبلغة مرتجلة، هي أقرب إلى رغبة في فك العزلة منها إلى “متن سياسي” لرجل ينظر إليه دائما على أنه شكل حالة خاصة في المشهد السياسي خلال السنوات الماضية.

بنكيران رجل يعرف كيف يمارس السياسة، تعلم أن يتنازل في الوقت الصحيح، وأن يقول نعم في الوقت الذي يميل قلب كل حوارييه نحو لا، وحينما يعتقد الجميع -بمن فيهم خصومه- أنه سيقول نعم يفاجئ الجميع بقول “لا”. أصعب شيء في السياسة، السياسة المغربية بالتحديد، هو أن تسير بحذر شديد بين لا ونعم دون أن يبتلعك قطب الرحى الذي تحدث عنه الحسن الثاني طويلا. ما يخبرنا به المسار السياسي لبنكيران أنه كان يخرج من المعجنة سالما فيما ينزوي أصحابه في الركن القصي للنسيان.

في اعترافاته الكثيرة لوسائل الإعلام تدرك إلى أي مدى كان بنكيران مناورا ومراوغا سياسيا؛ ففي عز الصراع مع القصر، عرف كيف ينتشل نفسه من دوامة الاعتقالات والمضايقات رغم أنه كان مسؤولا بارزا في تنظيم الشبيبة الإسلامي كما يحكي هو نفسه: راسل الحسن الثاني، تحدث بلغة المهادن المفاوض مع مصالح الأمن، أقنع أصدقاءه بتحرير رسالة إلى مصالح الأمن للمطالبة بالإفراج عن أعضاء من الشبيبة الإسلامية. الأهم أنه كان ذا حس تفاوضي عالٍ؛ ولم يكن حنبليا في تفكيره، ولو كان كذلك لما بعث برسالة إلى الحسن الثاني يشيد فيها بتصريح قال فيه إنه “هو أيضا سلفي”.

في حراك عشرين فبراير، تشبث إلى آخر رمق بموقفه الرافض للمشاركة في المظاهرات التي اجتاحت عشرات المدن المغربية، معاكسا رغبة تيار واسع من أعضاء حزبه، وفي مقدمتهم مصطفى الرميد وعبد العالي حامي الدين: عرَّض حزبه للانشقاق وخلق حالة توتر داخل الأمانة للحزب، قسم “البيجيديين” إلى فسطاطين كبيرين كما لم يحدث منذ تأسيس حزب الخطيب. لكن بصره، كما بصيرته، كانا أقوى وأبعد من نظر من كانوا يعارضونه. مرت بضعة الشهور فقط ليعود مزهوا بتعيينه رئيسا لأول حكومة في أول دستور جديد في عهد الملك محمد السادس.
في المخاض الشاق للنسخة الثانية من حكومة بنكيران، دخل الرجل إلى التفاوض مع حزب التجمع الوطني للأحرار الذي خاض معه حروبا كثيرة، مدركا أن الأخبار القادمة من تونس ومصر لا توافق مزاجه السياسي. خرجت النسخة النهائية من “بنكيران 2″، وفقد بنكيران حقيبة وزارة الخارجية، ولم يتردد في تقديم تنازلات في مختلف المواقع كي يضمن لحزبه الاستمرارية، وواجه، بسبب ذلك، عاصفة من الانتقادات العنيفة من قواعد حزبه، لكنه ظل واثقا مما يفعله: ذهب إلى المجلس الوطني للحزب غداة الإعلان عن الحكومة وخاطب أتباعه: اللي بغا يمشي معانا مرحبا اللي مبغاش يمشي…”.

بنكيران الذي حرر المحروقات وجعل “حيتانها” تربح كيفما تشاء دون أن يحاسبها أحد، بنكيران الذي اجتهد في مدح أخنوش.. بنكيران الذي قال “عطيوني أصواتكم ومني ليهوم” ثم تبخر هو والأصوات، بنكيران الذي عزل أفتاتي بمبرر أنه مجدوب وعزل حامي الدين لكونه مغضوبا عليه، وبنكيران الذي دافع عن المفسدين وطالب بالعفو عنهم، وبنكيران الذي تعنت في زيادة الأجور، وبنكيران الذي تنازل عن صلاحياته الدستورية، وبنكيران الذي كان يهمه التقرب من الدولة أكثر من خدمة مصالح المواطنين، وبنكيران الذي هاجم شباب حركة عشرين فبراير ثم ركب على مطالبهم، وبنكيران الذي وصف شباب حزبه بـ”المداويخ” فقط لأنهم تجرؤوا على استنكار التنازلات التي لا حصر لها (صندوق التنمية القروية، إقصاء حامي الدين والتدخل العنيف ضد الاحتجاجات الاجتماعية).. وبنكيران الذي أقسم بأنه لن تشكل الحكومة بوجود الاتحاد، عليه أن يفهم أن الصمت في السياسة في بعض الأحيان أهم من الكلام.. عملا بنصيحة قديمة لتشرشل.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *