فدرالية اليسار بين قوة الدفع، وفرامل الاندماج

أحمد الخمسي 14:17 - 15 يونيو 2021

 

تتشكل الأحزاب الثلاثة لفيدرالية اليسار في المغرب من أربعة روافد:

  • رافد اليسار السبعيني عندما تأثر شباب المغرب بنضالات الشعوب المضطهدة في فييتنام وفلسطين: منظمة العمل، الحركة من أجل الديمقراطية، والفعاليات اليسارية..
  • وروافد الاتحاد الاشتراكي بحيث كلما انعطف نحو الحكومة كلما انشق عنه جزء منذ 1991 (حزب الطليعة) والمؤتمر الوطني الاتحادي (2001) وجمعية الوفاء للديمقراطية (2001)
  • رافد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الديمقراطيون المستقلون (1996)
  • شباب حركة 20 فبراير (2011)
  • المجتمع المدني منه جمعية وضوح طموح شجاعة.

أغلب قادة هذه الروافد عرفت سجون المغرب والمنافي والطرد من العمل في القرن الماضي، وشكلوا في حينه المعارضة الحازمة لديمقراطية الواجهة خلال الثلث الأخير من القرن الماضي. بل الرمز الذي جمعهم  شارك في الكفاح المسلح ضد الاستعمار (محمد بنسعيد آيت يدر). ومنهم من وقف محاميا مدافعا عن المعتقلين  في المحاكمات السياسية التي جرت خلال نصف القرن الأخير 1970- 2021 (النقيب عبد الرحمن بنعمرو) والباقي اعتقلوا في النضالات الطلابية والنقابية.

لكن الجسم الحزبي اليوم، يتشكل أساسا من الشباب الذين ناضلوا ضمن حركة 20 فبراير. كما أن النساء أصبحن يشكلن نسبة مهمة في صفوف أحزاب فيدرالية اليسار الديمقراطي. بدليل انبثاق أول أمينة عامة لحزب سياسي في المغرب ضمن هذا اليسار الفيدرالي.

وقد ترك الربيع العربي بصمته على حركية اليسار الفيدرالي.

غير أن للحزب الاشتراكي الموحد جاذبية محورية، دفعت جمعية الوفاء للديمقراطية التي كانت ضمن تجمع اليسار الديمقراطي منذ 2004 الى الالتحاق بحزب اليسار الموحد ليتخذ الحزب اسم الحزب الاشتراكي الموحد 2005، الذي تبنى شعار الجمعية: من أجل حزب اشتراكي كبير.

ولما تولت نبيلة منيب مهمة الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد، بعد الطبيب محمد مجاهد، أكملت مهام الحضور القوي في الرأي العام السياسي المعارض بالمغرب. بحيث علا اسمها ضمن الصف الاول من الامناء العامين للأحزاب بعد حوار معها في القناة الثانية المغربية سنة 2015، ثم ترأست وفد اليسار المغربي (الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية) الى السويد التي كانت قاب قوسين من وضع ملف بوليساريو كدولة عضو مراقب بالامم المتحدة، ونجحت في اقناع السويد بالتراجع.

وأصبحت ضيفة عادية على كبريات القنوات الاوربية مثل BBC و France 24 وغيرهما. وكذا على البرامج الحوارية لدى المواقع الالكترونية.

لا نريد هنا أن نتحدث عن نبيلة منيب كما لو كانت شجرة نحجب بها غابة اليسار الغني بمناضلاته وأطره النقابية والجمعوية والأكاديمية.

 

 

نبيلة منيب تصر على إرساء قاعدة صلبة من الحريات ومؤسسات الديمقراطية تحت سقف دستور ملكية برلمانية يقوي الثقة الاستراتيجية بين الملك والشعب ، وحيث المساءلة توأم المسؤولية، التي لا تقبل لا بالبرلمانيين الفاسدين ولا الوزراء الفاسدين. على أن يظل الدفاع عن الوحدة الترابية ذاك الأسمنت الذي يرسخ يوما عن يوم وحدة المغاربة ضد الأعداء في الخارج. وكلما وفرت الحياة الديمقراطية تقدما اقتصاديا اجتماعيا للشعب، بالإنصاف وتكافؤ الفرص والمساواة كلما عظمت الثروة الوطنية ومؤشرات التنمية البشرية بين صفوف الشعب.

هذه الأهداف السياسية الموجهة للحياة السياسية لا يمكن أن تترسخ فقط بحسابات سياسوية للحصول على فريق برلماني مغشوش عن طريق المنحة. بل تترسخ بتوصل الشعب بحصصه المستحقة من الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. ولأن مهام الأحزاب تبدأ من مصداقيتها تجاه الشعب وهمومه، ولا يمكن الاقبال عليها ومكاسب الشعب مابين 2016 و2021 انحسرت في الاعتقالات والموت في البحر والبطالة ومستنقعات الرشوة والظلم.

إذا كان من مقلب ينصب لمناضلي ومناضلات الفيدرالية،هو أن ينشغل مناضلوه بتوقيت الاندماج، وأن يهملوا معايير التأنيث والتشبيب ليظل المتقاعدون الذكور يوزعون المهام فيما بينهم.

نعم إنه مقلب لأن الاصرار عليه هو الشغل الشاغل لجزء غير يسير  من قادة الفيدرالية، مقابل إهمال البحث عن مرشحات ومرشحين شباب، وبدل توثيق البرنامج الانتخابي بهموم الحراكات المناطقية.

ألم يكن أولى لقادة الفيدرالية أن يشكلوا إطارا وازنا للانكباب على مهمة الانفراج السياسي، وعلى رأس جدول أعماله إطلاق سراح المعتقلين.

لم يجر إشراك العدالة والتنمية في المؤسسات بالشكل الوازن دون مهام الانكباب على مسألة المعتقلين السلفيين. إذ جندوا لها الهيئات الرسمية والحزبية والدينية. هل سيرفض معتقلو الريف وباقي المناطق مساعي إطلاق سراحهم بما يحفظ التوازن بين منطق الحقوق ومنطق الدولة؟

إن وهم الجري للحصول على فريق برلماني هو السبب في العمى الحاصل اليوم. ثم بعد هذه الشوشرة المنتشرة هنا وهناك هي التي لا تترك الوقت ولا البصيرة للحديث عن شباب أولتراس الرجاء البيضاوي ولا حديث جمهور الوداد عن طلب ترشح نبيلة منيب لأنهم يرون في كلامها السياسي “عين العقل” و”قول الحق”.

هناك من القادة من كانت حياتهم السياسية هدر للزمن السياسي. بينما ترى القنوات الفضائية تعرض مواقف اليسار من خلال نبيلة منيب بما يستجيب لحديث الساعة، ولأنها تستطيع بسط أكثر القضايا تعقيدا في زمن قياسي أمام الشاشة.

الحديث عن مشاكل فيدرالية اليسار لا يعني التطابق مع طريقة نبيلة منيب. لكن لا أحد من الذين يختلفون مع نبيلة منيب في طرقها التنظيمية  يستطيع أن ينكر تفوقها في الاشعاع القوي وفي التزامها بتنفيذ المهام وبسلاستها وتلقائيتها وهضمها لكل مقتضيات التقدم السياسي.

نبيلة منيب ترسمل الرصيد بقدرة حسابية فائقة. بينما يعجز آخرون عن ضم المنجز للدفع بالمكتسب نحو الأفضل. سألت ذات يوم الصديق الرفيق الطيب محمد مجاهد عمّ اذا اطلع على التقرير الامريكي (مؤسسة كارنيجي للسلام في الشرق الاوسط) الذي أنجزته الخبيرة مارينا أوطاوي، حول حركة 20 فبراير نشر في دجمبر 2011؟ رد بعدم الاطلاع. فسألته: “ألا ترى أن ذكر الحزب الاشتراكي الموحد إلى جانب العدل والاحسان والجمعية المغربية لحقوق الانسان هو اعتراف بعملك على رأس الحزب؟ لو كنت مكانك لن أنشغل بالصراعات الصغيرة وقد تبوأ الحزب هذا التقييم  بانخراطه في الحركة بمقراته ومناضلاته ومناضليه؟”

فيدرالية اليسار الديمقراطي في المغرب التي تركت صداها قويا بعد انتخابات اكتوبر 2016 البرلمانية، توجد اليوم مثار نقاش حاد بين مكوناتها.

هناك جهد جهيد يشغل بعض قياداتها حول مساطر الاندماج بين الاحزاب اليسارية الثلاثة في حزب واحد (الحزب الاشتراكي الموحد، حزب الطليعة الاشتراكي وحزب المؤتمر الاتحادي). بينما لم يتساءل الناخب سنة 2016 عن تلك الفيدرالية هل هي حزب أم هي تحالف أحزاب.

طابع المحافظة والذكورة الذي ينخر المجتمع جعل الفيدرالية تعجز عن ترشيح النساء  في 92 دائرة. وليس من الصدفة أن يكون من بين الأحزاب الثلاثة الحزب الاشتراكي الموحد هو الوحيد الذي حظيت مناضلة بثقة رفاقها ورفيقاتها لتتحمل مهمة الأمينة العامة لأول مرة في تاريخ الأحزاب المغربية. وهو الحزب الذي رشّح مناضلتين وكيلتين للوائح الفدرالية في تلك الانتخابات. أما الحزبان الآخران فتركا المهمة للمستقبل وكانت ترشيحاتهما كلها رجالا. خمسون مرشحا ولا امرأة واحدة. ومن هذه الزاوية من يستطيع أن ينفي أن قوانين نمط الاقتراع متقدمة على أحزاب الفيدرالية؟

اندماج الأحزاب المكوِّنة لفدرالية اليسار في حزب واحد، مهمة تاريخية لا يمكن التراخي في النضال من أجلها، ولا الاستعجال بتنفيدها قبل  الانتخابات المقبلة بمبرر أنها الضامنة للفوز فيها. المنطق والعقل يفرضان بناء الحزب الاشتراكي الكبير بالاندماج أولا بهموم الشعب، وإنضاج شروط وحدة اليسار بالفعل مع المواطنين والمواطنات والالتحام بقضاياهم وفسح المجال للشباب والنساء في صفوف أحزاب الفدرالية، وفي اللوائح الانتخابية وتحقيق تراكمات في الواقع تنتهي لا محالة بالوحدة والاندماج المنشودين والطبيعيين…

 

 

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *