لماذا نحب النجوم الساقطة؟

حامد عبد الصمد 12:16 - 27 نوفمبر 2020

مارادونا ومايكل جاكسون وجورج وسوف
نحب دائماً أن نجعل من البشر آلهة، ولكننا نحبهم أكثر حين يسقطون، فأكثر الآلهة قرباً لأنفسنا هم أشبههم بالبشر الحيارى فاقدي التوازن وفاقدي البوصلة الأخلاقية.
خلف كل موهبة استثنائية عظمة تذكرنا بلا محدودية الممكن، ولكن خلفها أيضاً مأساة تواسينا في محدوديتنا وقلة حيلتنا. مارادونا ومايكل جاكسون وجورج وسوف أسعدونا جميعاً بمواهبهم الفذة، كنا نراهم يقفون في ساحات الإبداع يتقنون ما يفعلون حد الكمال، كنا نسمي أحدهم إله الكرة ونسمي الآخر ملك البوب والأخير سلطان الطرب.. ولكن حين كانت الأضواء تنطفئ من حولهم، كانوا وحيدين في مواجهة الحقيقة المرة، ووهي أنهم ناجحون في جانب من جوانب الحياة وفاشلون في معظم الجوانب الأخرى…
الشهرة المبكرة مصيدة لا يفلت منها إلا القليلون، لأن الموهبة الاستثنائية منجم ذهب محاط باللصوص. حين تأتي الشهرة والثراء في بدايات العمر يصبحان سجون اجتماعية ونفسية، ومع تكرار النجاحات يدمن الموهوبون نشوة الانتصار والنفوذ والمديح.. ولكن الحياة الطبيعية لا يمكن أن تكون سلسلة متواصلة من الانتصار والنشوة، فينحدر هؤلاء إلى عالم المخدرات والمنشطات بكافة أشكالها لتمديد هذا الشعور الذي يفتر بعد التعود على الانتصار أو بعد الإخفاقات على مستوى مجال العمل أو الحياة الاجتماعية. فجأة تصير الحياة الطبيعية مجرد روتين ممل، ثم تصير وحش كاسر يريد الإنسان الفرار منه بسرعة فائقة…
الشخص الموهوب المشهور الثري يفقد الثقة بسهولة فيمن حوله، لأنه يشك أنهم يتقربون منه فقط من أجل شهرته وأمواله، وبالتالي يفقد الثقة في نفسه لأنه يظن أنه لا يستحق الحب والتقدير بعيداً عن موهبته وثروته. وهذا يخلق حالة من الوحدة والعزلة حتى – أو خاصة – حين يكون المرء محاطاً بالمعجبين. لأن في هذه الحالة لا يستطيع أن يهرب الشخص من سؤال “لماذا يحبني الناس؟ هل يحبونني لشخصي، أم يحبوني لما أملك من موهبة ومال؟” ثم يأتي السؤال الأصعب: من أنا بلا شهرة وبلا مال؟ وهل أحب نفسي بلا شهرة وبلا مال؟
مارادونا كان متوازنا على ساحة اللعب، وكانت موهبته هي انه كان يُفقد خصومه توازنهم بخفته وسرعة دورانه وقدرته على التمويه، ولكنه كان يفقد توازنه بمجرد الخروج من الملعب، فكان يبحث عن هذا التوازن مرة في المخدرات ومرة في العلاقات النسائية، ومرة بصداقاته مع بعض الدكتاتوريين أمثال كاسترو وشافيز. كان يسارياً يلعب الجولف وينظم الحفلات الصاخبة، وبعد فترة تجده يشارك في الحملة الانتخابية للرئيس النيوليبرالي كارلوس منعم ويلعب الكرة مع قاديروف رئيس الشيشان ثم يصاحب رئيس روسيا البيضاء المتسلط ويتملق شيوخ النفط من أجل المال…
الإنسان مثل طاولة الطعام، له أربعة أرجل.. ولكي تستقيم الطاولة، يجب أن يكون للأرجل الأربعة نفس الطول. وأرجل الإنسان الاربعة هي احتياجاته الجسدية والنفسية والفكرية والروحانية. النجاحات والإخفاقات والتقلبات التي نتعرض لها في الحياة تفقدنا التوازن وتجعل رِجلاً أطول أو أقصر من الباقين.
الموهبة الحقيقية هي أن يجد الإنسان توازنه في الحياة.. والموهبة الأعظم هي أن يحافظ الإنسان على هذا التوازن.. الطبيعة هي أعظم معلم لنا في هذا الشأن، فهي متقلبة ومضطربة، وقاسية أحياناً، ولكنها دوماً تبحث عن التوازن وتجده!

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *