لنقطع مع فيلم حدو طنجة

محمد بنعزيز 8:54 - 19 مايو 2016

ما هي صلة الوصل بين الدولة والمواطن؟

1- الجهاز الإداري.

2- الجهاز الأيديولوجي.

يدخل الإعلام والفن ضمن الجهاز الثاني، وفي هذا الباب، وبالنظر للأداء الإعلامي لقنوات التلفزة العمومية، وكذلك لأثر المسلسلات والأفلام المغربية على المواطن، يمكن القول أن تلك الصلة هشة أو مقطوعة. فك الارتباط بين الدولة والمجتمع يتزايد. وزن الرأي العام يزداد ليس فقط في السياسة، بل على برامج التلفزيون والسينما أيضا. ويجب أخذ هذا بعين الاعتبار.

رغم ذلك فإن رد الفعل السطحي يهيمن على هذا الوضع، وهو يعتبر تلك الهشاشة أو القطيعة دليلا على معاقبة المواطن لتلك المنابر والأفلام، ثم ينتقد تمويل الإعلام والأفلام من المال العام.

رد فعل هذا، الذي يشحذه الغضب أو الشماتة، مجرد انتقام يائس، غير أن الغضب واليأس والانتقام ليس سياسة. ثم إن رد الفعل هذا، بتنفيسه عن نفسه يتجاهل الجانب الخطر للوضع.

الطبيعة تخشى الفراغ، لذا فإن المجال الذي لا يملأه الإعلام والفن المغربي ستستولي عليه منابر أخرى، ليصبح المواطن فريسة لتوجهات قيمية ودينية وحضارية دخيلة، بكل ما لهذا من أثر سلبي على الشبيبة المغربية، التي صارت تعرف نفسها بأيقونات غير مغربية، وتهاجر ذوقيا ومعرفيا إلى منظومات تهدد الوحدة الوطنية. مثل خلجنة الذوق المغربي، خلجنة ملطخة بالوهابية وبإباحة قتل أصحاب الاختلاط مع أن الاختلاط يوجد في الحرم المكي، حول الكعبة، فكيف يمنع في الشارع ما أجازه الله قرب الحجر الأسود؟

مع مثل هذا الخطر القيمي، ومن هذه الزاوية يتضح أن ما يخصص لتمويل الإعلام والأفلام أمر يسير.

مع مثل الخطر، ينبغي التنبيه مسبقا إلى أني لست ضد انفتاح الذات المغربية، بل هذا الانفتاح أساسي، شرط أن تكون هذه الذات قد تشبعت وتحصنت بمنظومة قيمية مغربية متماسكة تؤكد على الثقة بالنفس وعلى القدرة على التعامل مع العالم دون استلاب ودون تقوقع.

لتحقيق هذا الهدف الوطني الذي ليس له ثمن، يجب أن يتصالح الإعلام والفيلم المغربي مع المواطن، وهنا أتحدث عن الأفلام بالضبط:

1- كيف نبلور من الضجر الشعبي سياسة فنية منتجة ومقبولة؟

2-لا يكمن سبب تخلف المغرب في قلة موارده بل في الذهنية السائدة التي تهدر تلك الموارد وتهدر أساسا طاقة أصحابها، ذهنية لا سبيل إلى تغييرها إلا بالتعليم والإعلام والفن. هذه هي الأطروحة التي توجه كتاباتي، ومنها الكتابة عن فن السينما.

3- يستطيع المغرب تقديم الأفضل، وآخر نموذج عربي لنجاح منقطع النظير هو الأغنية الخليجية التي صارت في الأعالي، تتغنى بالجمال والحب بينما الواقع الذي تصدر منه يجرم بيع الورد في عيد الحب… كيف مر التناقض؟ بالتمويل والعمل واستئجار أفضل الموسيقيين اللبنانيين والمصريين…

4- منذ فقدت تركيا الأمل في دخول الاتحاد الأوروبي، ركزت قواها داخليا، حسنت موقعها الاستراتيجي واستدارت لمحيطها العربي فأنتجت له نور مهند وصارت لها سلطة فنية على العالم العربي… بل صارت لها سلطة سينمائية حتى أن مجلة دفاتر سينمائية عدد يوليوز غشت 2009 خصصت لها 20 صفحة… ماذا ينقص المغرب ليفعل نفس الشيء؟

5- هذا دليل قاطع على أنه يمكن إحداث التغيير بالتمويل، ولكن بالصرامة الفنية أيضا. لذا يجب:

6- محاربة القرصنة.

7- اشتراط تشغيل قاعة سينمائية سنوية على أي مهرجان وإلا لن يحصل على أي دعم رسمي للقضاء على الطفيليات السينمائية الموسمية. كيف يحصل مهرجان على 600 مليون ولا يخصص 10 شهريا لتسيير قاعة لمدة عام؟ هل هذا صعب؟

8-اعتماد شفافية في الإنتاج، أين هي 30 فيلم نبيل عيوش التي حصل عليها في صفقة واحدة؟ هل هذا ما جلبه لنا المخرجون العائدون من المهجر؟

9- تخصيص صفحات فنية حقيقية في الجرائد، صفحات تثري الإبداع وليس مثل النميمة الفضفاضة التي تنشرها بعض الجرائد.

10- انتقاء نصوص حكائية متماسكة لتحويلها إلى سيناريوهات، بدل فبركة حكايات تشمل شخصيات سطحية نمطية أو تطورا غير مبرر…

11-رفع مستوى ذوق الجمهور عبر تقديم إبداع جاد يحمل قيما وطنية.

12-الاحتفاظ بالأمل في الحياة، لأن اليائسين لا ينتجون غير المرارة التي تضبب الزوم والباربريز فلا يظهر لا الأفق ولا الطريق ولا المستقبل.

هل نحن قريبون من هذا؟

لا

13- أتيحت لي الفرصة للاطلاع على بعض السيناريوهات التي ستصور في 2010، وقد أدهشني أن سيناريو من 40 صفحة يزعم المخرج الذي كتبه أنه سيمتد 90 دقيقة، وقد كتب الحوار فقط، ونادرة هي جمل الوصف، رغم أن المطلوب هو الوصف. ولا ننسى كل خصائص أضعف فيلم: الفلاش باك الكوابيس المجانين… اللقطة التي تحتاج عشر ثواني سيمططها صاحبنا 60 ثانية.

14- التقيت كاتب سيناريو تم تصوير فيلمه ولم يحصل على أتعابه بعد. سيجن قريبا.

15- السيناريست الذي ينجز سيناريو في عشرة أيام ويحصل على 7000 درهم يعتبر نفسه فائزا. لكنه يورط المخرج في أخطاء مخجلة. يقول بيتر بروك إن “الإعداد هو مصدر الانسجام والتناغم، دونه يصبح الحدث ضعيفا، مُهوشا وخلوا من المعنى”.

16-السيناريست الذي يقضي عاما يُعد ويكتب ويطلب مقابلا محترما لعمله، إن لم يحصل عليه لن يعود للكتابة ثانية.

17-قدمت نصّيْ سيناريو لمنتج وأعجب بهما ووافق على إنتاجهما، بعد أربعة أشهر لم أحصل على موعد إنجاز الفيلمين ولا على درهم واحد. هل علي أن أترك الشيء الوحيد الذي أعرفه وهو الحكايات لأصبح مخرجا وأؤسس شركة إنتاج؟

18-المنتجون الذين يؤسسون شركات لا يملكون ميزانيات، مع أن المنتج فنان وفلاح ومستثمر، عليه أن يشتري أرضا، يزرعها شتلات زيتون، يغرسها ويسقيها، ثم يرعاها إلى أن يجني الزيتون… المنتج الذي ليس حتى “مول الشكارة” يعصر السيناريست فقط. يقول له “أمز إميك الباركة”

19-عندما يعصره مرة واحدة لا يجد سيناريو للفيلم القادم فيفبركه ويكتشف الجمهور الريككككولاج.

20-حينها يعتمد المنتج على كتبة يرتكبون أخطاء دراماتورجية بدعوى أنهم أحرار في تخيلهم، يذكرهم غابريل غارسيا ماركيز بقانون السرد في كيف تحكى الحكاية؟ في الحكي يقول “أنت لا تستطيع أن تفعل ما تشاء إلا ضمن المنطق الذي فرضته على نفسك، فالأمر كما في الشطرنج. لماذا يتحرك الفيل مُجانبة؟ لأننا توافقنا على ذلك وتقبلناه مسبقا”. منطق السرد مثل منطق الشطرنج، عالمي، حين سنتقنه سيُفهم الفيلم المغربي في العالم اجمع فيتجاوز ميناء طنجة.

21- بسبب التسرع تظهر أفلام فاست سينما، على وزن فاست فود لا تشبع وتقطر زيتا على الذوق… بينما تحتاج الممارسة السينمائية إلى تكوين مسبق طويل وكثيف قبل دخول الميدان

Une langue formation souterraine

22-بسبب التسرع، يحصل المخرج على سيناريو لا يعرف كيف يدخل حالة l’état du monde وضع العالم في الكادر.

23- يحصل الممثل على حوار بلا وصف فلا يعرف ما يفعل فيعيش شخصيته الحقيقية فيعتقل في صندوق الأدوار النمطية كما حصل لمصطفى الزعري في فيلم “وليدات كازا” ظهر في خمسة مشاهد يصرخ على ابنه بنفس الطريقة والكلمات: واش نتا باغي تسيزيني؟

24- على التلفزة العمومية وصندوق الدعم أن يلزم شركات الإنتاج بدفع 10% على الأقل لكاتب السيناريو من ميزانية الفيلم، حينها يستطيع السيناريست أن يتحرر ويبحث ويطالع وينغمس بشكل تام في موضوعه. وهكذا لن تتأسس شركة إنتاج كل أسبوع.

25-يجب أن يكون تشكيل لجنة الدعم سريا، ويجب ألا يتعارف أفرادها، وعليهم أن يمنحوا السيناريوهات (المرقمة – المغفلة المؤلفين – مثل أوراق امتحانات الباكلوريا) علامات من A-Z ثم تحول تلك العلامات إلى نقط ويتم اختيار السيناريو الذي حصل على أعلى النقط، وهكذا تكون الاختيارات شفافة لأنها صفقات عمومية.

26-سيجلب ذاك الشرط وهذه الشفافية أشخاصا قادرين على الكتابة، لكنهم يخشون إهانة “أمسك هذه البركة”.

هذه مقترحات لحل أزمة السيناريو التي عرضها مقال سابق عن مجلة CINE MAG، وإذا تجاوزنا الأزمة لن يكون الفيلم المغربي حدو طنجة، سيستخدم لغة الصورة بالقوانين العالمية، وسيتصالح المواطن المغربي مع فن بلده، أي سيتصالح مع صورته عن نفسه، ستسترجع القنوات العمومية جمهورها وبالتالي نقودها من شركات الإشهار… سيربح الجميع، الوطن والجمهور، ولا ننسى أن أول جمهور للأفلام هم الشباب ولابد لهم من صلة وصل بالوطن.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *