«مخاطبات» يوسف الريحاني .. وشعرية ما بعد الدراما !!

- رشيد الأشقر 10:16 - 5 أبريل 2021

ضمن سلسلة «هامش» التي يُصدرها مختبر بيكيت «Labo- Bickett » المتخصّص في  إنتاج وترويج فنون الأداء المعاصرة (البصرية والرقمية) بمدينة تطوان (المغرب)، وعن منشورات «دار الحكمة» لهذا لعام،  صدر للمؤلّف والمخرج المتألّق في فنون الأداء البصري، الدكتور يوسف الريحاني، مُنجزه الدراماتولوجي الأخير  الموسوم بـ (مخاطبات / يليها النفق).

«مخاطبات/ يليها النفق» – الذي يقع في 99 صفحة من الحجم المتوسط، يعلو واجهته الأمامية توليف غرافيكي ماكر بديع من تصميم المؤلّف نفسه، ولا يحمل غلافه الخارجي أيّ تحديد أجناسي-  عبارة عن نصّين دراماتولوجيين مُستقلّين ببنيتهما التشكيلية وعوالمهما الدلالية، غير أنهما يمتاحان من نفس الرؤية الفلسفية والجمالية التي  بلورها د. يوسف الريحاني في أعماله السابقة، سواء منها التأليفية، كـ (الخراتيت لا تلتفت خلفها) و(آت من الجنوب) و(الغابة تحكي)، أو الإخراجية كما في عرضيه البصريين المذهلين: (كرسي هزّاز) و(جزء خارج 1)، وهي الأعمال التي حظيت بعناية واستقبال لافت داخل  الأوساط النقدية والأكاديمية العربية المهتمة بتطوير مجال الفرجة العربية وطرح أسئلة  «ما بعد الدراما» في المسرح العربي المعاصر.

«مخاطبات» و «النفق»، من النصوص المربكة لأفق انتظار المتلقي؛ ولا أحسبُ إلا أنه إرباك طبيعي لمن لا يزال يجاور التصوّر التقليدي للمسرح القائم على مبدإ التناظر والمحاكاة، وعلى ثوابت الحكاية المتجانسة والحوار التبادلي والصراع الدرامي، والتشخيص الجسدي .. في الوقت الذي يشهد فيه حقل التجريب الدراماتولوجي الحالي (العربي والعالمي) الذي ينخرط فيه           د. يوسف الريحاني بكامل الحيوية والفاعلية، منعطفا فرجويا راديكاليا، يتجاوز مفاهيم «مسرح المعنى» و«الركح الخشبي»، و«التمثيل التشخيصي»، ليقيم على أنقاضها تصورات بديلة من قبيل: «المسرح الأداة/ الوسيط» و«المنصة الرقمية» و«الأداء الفنّي» وغيرها من المفاهيم المستجدّة وغير المسبوقة في مجال الإبداع الفرجوي.

لذلك فإنه من الطبيعي، أمام مثل هذه التحولات العميقة الطارئة اليوم على المشهد الأدائي المعاصرة ( Performance Art)، أن يجد القارئ/ الناقد  نفسه في حرج كبير وهو يواجه هذا النمط من الكتابة الدرامية المنزاحة عن تقاليدها المتجذرة. ممّا يضع هذا المتلقي أمام خيارين لا ثالث لهما: إما تجاهل مثل هذه الكتابات وغضّ البصر عنها، أو مراجعة أدواته القرائية وتحيين عتاده النقدي حتى يستطيع مواكبة مثل هذه الأعمال المنفلتة عن كلّ تقنين معياري سابق.

«مخاطبات/ يليها النفق» نصّان مكتوبان بحساسية درامية مختلفة، وبأسلوب مسرحي طاعن في التجريب، تكاد تختفي فيهما تماما الحكاية المتنامية، والتصعيد الدرامي المستهلك، والتبادل الحواري المألوف بين الشخصيات، لصالح أشكال تعبيرية جديدة، كالكتابة بالصمت، وافول المعنى،  والمناجاة الذاتية، والعناية بكثافة العلامات البصرية.

وهذا ما يجسده النص الأول، «مخاطبات»، بمشهده الأحادي القائم على تقنية المونولوج الارتدادي الصدى، إذ تقوم الشخصية المحورية، داخل غرفة معتّمة، بإنتاج سلسلة من التراكيب اللغوية المتتالية، تُوجّهُها إلى جثة عجوز هامدة تعلو سدّة سرير خشبي متهالك.

وهذا أيضا ما يعكسه النص الثاني، «النفق»، حيث تقف سيّدة مسافرة، على رصيف محطة قطار لا تكفّ عقارب ساعتها الحائطية عن الحركة إلى الخلف، لتستغرق البطلة في مناجاة وترتيلات فردية مسترسلة، تتوجّه بها إلى جثة مقتولة وملفوفة داخل كيس موضوع فوق كرسي الانتظار.

في كلا النصين، لا يحدث أيّ شيئ يستحق الاهتمام، وكأنه لم تعد هناك جدوى من الحكي، أو على الأقلّ، لم يعد هناك في هذا العالم ما يستحقّ الحكي. كل ما هنالك، شعور حادّ بالقتامة وبالعزلة، ومشاهد لذوات ضائعة تحتمي بما تبقى لديها من لغة صمّاء. وكلّ ما يُطلب من المتلقي حيال هذه النوع من النصوص أن يتحلّى باليقظة ويعمل على التقاط الإشارات أكثر من طموحه إلى القبض على وهم المعنى المكتمل، مادامت الحياة برمّتها قد صارت غير ذات معنى.

وكأنّي بالمؤلّف قد استشعر مدى حالة اللبس والتيهان التي قد تعصف بالمتلقي الأعزل وهو يُقبل على الخوض في متاهات نصّيّة لا عهد له بها، فقرّر أن يرفأ بقارئه عندما بادر إلى تذييل نصه الأوّل بما يُشبة «البرولوج»، يقدّم من خلاله ما نوعا من التأويل الدلالي لسيمولويجا النص، واضعا بذلك بين يدي المتلقي، أهمّ المفاتيح التي تساعده على فكّ مغالق «مخاطباته» الموغلة في التشفير. أما النص الثاني، فقد ترك أمر تبديد عتمات «نفقه» إلى ذكاء القارئ، وإلى شطارة المخرج.

في كلّ الأحوال، فإن منجز «مخاطبات/ يليها النفق»، يُقدّم نفسه للقارئ العربي كمساهمة طلائعية جادة في رسم معالم شعرية مغايرة في الكتابة والأداء الدرامي المعاصر، يبلورها اليوم د. يوسف الريحاني بكفاءة أكاديمية واحترافية متقدّمة، إلى جانب كفاءات عربية أخرى رائدة تنشط ببعض البلدان العربية، وتعمل على تغيير ملامح المشهد الفرجوي العربي، والترسيخ لثقافة مسرح «ما بعد الدراما»، من أمثال ربيع مروة ولينا صانع بلبنان، والفاضل الجعايبي وجليلة بكار بتونس، وفوزي بنسعيدي وزهرة مكاش بالمغرب.

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *