من أجل ولادة جديدة لمجلس الجالية المغربية

المريزق المصطفى 11:28 - 9 نوفمبر 2019
بمناسبة ذكرى انطلاق المسيرة الخضراء، وبعد مرور 13 سنة على خطاب الملك محمد السادس بهذه المناسبة (خطاب 6 نونبر 2006)، والذي قال الملك في إحدى فقراته:
“شعبي العزيز، إن حرصنا على تفعيل الخيار الديمقراطي التنموي، لا يقتصر فقط على توطيد وحدتنا الترابية، وإنما يشمل أيضا كل القضايا الوطنية الكبرى، حيث اعتمدنا في معالجتها نفس المقاربة التشاورية الإدماجية، القائمة على المشاركة الفعلية، لمختلف المعنيين في اقتراح الحلول الأنسب لها.
ومن هذا المنظور، كان حرصنا القوي على إيلاء عناية خاصة لقضايا جاليتنا بالخارج، وذلكم من خلال اعتماد سياسة جديدة للهجرة، ذات بعدين : أولهما بعد خارجي نعمل في إطاره على الدفاع عن حقوقهم في بلدان الإقامة، وتمكينهم من ممارستها بدون تمييز، وذلك في نطاق الاتفاقيات الثنائية المبرمة، ولاسيما مع البلدان الأوروبية.
وبقدر ما نشيد باحترام مواطنينا بالخارج لقوانين بلدان الهجرة، فإننا حريصون على الحفاظ على هويتهم الثقافية والدينية المغربية الأصيلة، القائمة على التسامح والاعتدال، واحترام الاختلاف، وتجسيد الإسلام البناء.
أما البعد الثاني، فهو بعد داخلي وطني، قائم على انتهاج سياسة جديدة، منصفة لجاليتنا بالخارج، التي تحظى لدى جلالتنا بمكانة خاصة، اعترافا منا بكونها في طليعة القوى الحية، المساهمة بدورها الفاعل، في تنمية المغرب وتحديثه، وإشعاعه الحضاري، وتماسكه الاجتماعي، وتطوره الديمقراطي.
وفي هذا السيا ق، كان تأكيدنا على تمكين أفراد جاليتنا من شروط ممارسة مواطنتهم كاملة، بتوسيع انخراطهم ومشاركتهم، في كل مجالات الحياة الوطنية.
وإننا لجد معتزين بالصدى الإيجابي، الذي لقيته مبادرتنا من قبل جاليتنا في الخارج. وتجاوبا مع تطلعهم للانخراط في تفعيل هذه المشاركة، فقد قررنا السير على نفس النهج الديمقراطي المتدرج. فبعد تخويلهم حق المشاركة السياسية، بتمكينهم من أن يكونوا ناخبين أو منتخبين بأرض الوطن، فإننا سنعزز هذا المكسب الديمقراطي، بإقامة المجلس الأعلى للجالية المغربية بالخارج”.
واليوم، وأنا أعيد قراءة خطاب جلالة الملك، استحضرت ما كتبته في موضوع الهجرة في العديد من المناسبات، ومن بينها ما كتبته سنة 2013، في مقال تحت عنوان: “الهجرة المغربية وسؤال الهوية والمواطنة في ضوء الدستور الجديد”، وهو المقال الذي حاولت فيه ملامسة “الهجرة كجرح غائر يحتاج لجبر الضرر”، و “الهجرة كجزء من أسسس الذاكرة الجماعية المغربية “، و” الهجرة في رحاب الحراك الشعبي المغربي”، حيث خلصت في مقالي هذا (النشور ببالمجلة المغربية للادارة المحلية والتنمية 109/110) إلى ضرورة تفعيل الدستور ودعوة الحكومة لتصحيح القوانين والمعاهدات بين المغرب ودول الهجرة،:
– إخراج قوانين لحماية مغاربة العالم أينما وجدوا؛
– توفير شروط العودة والاستقرار للراغبين فيها؛
– تشجيع مغاربة العالم على الاستثمار في بلدهم عبر تبسيط المساطر الادارية وتحسين التعامل معهم؛
– تمتيع كل مغاربة العالم بكامل حقوق المواطنة.
كما استحضرت كل الاقتراحات التي دونتها في مقالي الأخير والمنشور في عدة منابر إعلامية، تحت عنوان “الخط الرابع .. من أجل نهضة حقيقية لمغاربة العالم”، حيث أوردت ضمن الخلاصات ما يلي:
– وضع ميثاق وطني يحدد حقوق مغاربة العالم وواجباتهم انطلاقا مما نص عليه دستور المملكة ( ونعني به اعتماد قانون حول الجنسية المزدوجة للجالية، وكل القوانين التي تتماشى معها).
– تجديد هياكل مجلس الجالية المغربية بالخارج وتوسيع مهامه وصلاحياته، وخلق مجالس جهوية للجالية المغربية (CRCME).
– إحداث وكالة وطنية خاصة للراغبين في العودة إلى الوطن قصد الاستثمار أو للعيش والاستقرار بعد التقاعد.
– إحداث قناة إعلامية خاصة بمغاربة العالم وقضاياهم الاستثمارية والاجتماعية والثقافية والرياضية.
– إحداث دور اجتماعية وثقافية لشباب مغاربة العالم في كل جهة من جهات المملكة، تربطهم بالموطن الأصلي لعائلاتهم.
– إحداث متحف وطني خاص بمغاربة العالم ومسارات تاريخهم وحاضرهم.
– تنظيم مناظرة وطنية تجمع كل المؤسسات الحكومية ومغاربة العالم حول التحديات التي بات يواجهها المهاجرون (الميز العنصري، التطرف، الإرهاب).
– تنظيم لقاء بين كل الأحزاب السياسية وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني لتحسيس الرأي العام الوطني والدولي بكل القضايا العادلة لمغاربة العالم هنا وهناك، وفي مقدمتها الحق في المشاركة السياسية.
وبهذه المناسبة، وانطلاقا من المعطيات التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط، شعرت بضرورة مواصلة “النبش” في الموضوع والاهتمام به لمحاولة فهم وتتبع ما يحدث الآن، خاصة وأن كل المعطيات تشير إلى أن الهجرة المغربة في تزايد مستمر وأن حوالي 20,6 في المائة من المغاربة المغادرين للبلد سنوياً يختارون الهجرة كأسر بأكملها.
فمجلس الجالية المغربية بالخارج، كمؤسسة دستورية، أحدت بظهيـر شريـف رقـم 1.07.208 صـادر في 21 ديسمبر2007، يعتبر من المكاسب التاريخية التي حققتها نضالات الهجرة المغربية في الخارج ( أنظرOrigines et évolutions des luttes de l’immigration marocaine en France, Mustapha Merizak, Dans Migrations Société 2009/3-4 (N° 123-124), pages 51 à 64)
وتجسيدا للعناية الملكية التي أولاها ملك البلاد لمغاربة العالم، ولد مجلس الجالية – كما نص على ذلك الظهير الشريف- للرقي بأحوال المواطنين المقيمين بالخارج، والاهتمام البالغ بتمكينهم من كل حقوق والتزامات المواطنة الكاملة، حيثما كانوا، وتفعيلا لإرادة ملك البلاد الراسخة في توثيق الأواصر المتينة، التي تربطهم ببلادهم ؛ وتوطيدا لما قام به جلالة الملك من جهود دؤوبة ؛ وتجاوباً مع متطلبات النمو السريع والمتزايد للمغاربة بالمهجر بتوفير مؤسسات فعالة من خلال إحداث هيأة كفيلة بالنهوض بمهام التشاور والمساهمة في صياغة وبلورة السياسات المتعلقة بالهجرة وشؤون الجالية المغربية بالخارج في تجاوب مع كل مكونات الأمة، ومع الرأي الاستشاري لمجلس حقوق الإنسان،.
واليوم، يتضح من الأرقام المتداولة بأن عدد مغاربة العالم المقيدين في السجلات القنصلية بلغ حوالي 3.6 ملايين مغربي ومغربية سنة 2017، فيما تشير توقعات رسمية أخرى إلى أن الإجمالي يناهز 4.6 ملايين. وتمثل هذه الجالية حوالي 10 في المائة من السكان المقيمين في المغرب، من دون احتساب الغير المقيدين، ويقدرون بالآلاف أو أكثر، واستحضارا لمضمون الظهير الشريف للمجلس، والذي ينص على الاسهام والمجهود الجماعي للمسار الراسخ لبناء مجتمع ديمقراطي حداثي متشبث بهويته المغربية الأصيلة، بتعبئة طاقات مغاربة الخارج الخلاقة، لتنمية بلدهم وتحديث مجتمعهم ودعم موارده البشرية وتقوية رصيده وإشعاعه الثقافي والحضاري الدولي؛ فإن الأوان قد آن لإخراج النسخة الثانية لهذا المجلس لتحقيق الأهداف النبيلة التي ولد من أجلها، للرفع من مستوى سياسات الدولة الموجهة للهجرة، وتجاوز المعيقات التي تعيق مساهمة مغاربة العالم في التنمية، انسجاما مع خطة التنمية المستدامة لعام 2030 وإعلان نيويورك، والخطة الإفريقية للهجرة التي تقر وتوصي بالمساهمة الإيجابية للجالية في النمو الشامل والتنمية المستدامة، حيث تحافظ على العلاقات مع البلد الأصلي من خلال تأثيرات مفيدة مثل تحويل الأموال، والمعارف، والكفاءات، والتكنولوجيا، والمواطنة، وروح المصلحة العامة.
إن العودة اليوم لمواد الظهير الشريف من أجل إعادة قراءتها وتملكها، تجعلنا اليوم جميعا كمسؤولين وكفاعلين وباحثين ومتتبعين أمام مهماتنا التاريخية، لمناقشة أسباب تعثر الرأي الاستشاري لمجلس الجالية كهيئة استشارية بجانب جلالة الملك، في ما يتعلق بالتوجهات الأساسية للسياسات العمومية التي من شأنها أن تضمن للمغاربة المقيمين بالخارج الحفاظ على أواصر الارتباط الوثيق بهويتهم المغربية، ولاسيما ما يتعلق بتعليم اللغات والتربية الدينية والعمل الثقافي؛- التدابير الكفيلة بضمان حقوق المغاربة المقيمين بالخارج وصيانة مصالحهم؛ ولاسيما من هم في وضعية صعبة أو هشة ؛- الوسائل الهادفة إلى حث المغاربة المقيمين بالخارج على المشاركة في المؤسسات ومختلف مجالات الحياة الوطنية والنهوض بالأعمال الموجهة لفائدتهم ؛- وسائل تقوية مساهمة المغاربة بالخارج، في تطوير قدرات بلدهم الأصلي وطنيا وجهويا ومحليا، في مجهود التنمية البشرية المستدامة، وتحديث المجتمع ؛- تطوير استراتيجيات عصرية للتواصل والتفاعل والتعاون مع بلدان المهجر، على المستويات الثقافية والبشرية والاقتصادية، من دون أن ننسى مسؤولية مجلس الجالية في رصد التطورات المتوقعة في مجال الهجرة على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية.
لقم مرت أزيد من 10 سنوات ولا زالت التوصيات التي أوصى بها الظهير الشريف ودستور 2011 لم تخرج إلى حيز الوجود كما كان منتظرا، من أجل الرقي بأحوال مغاربة العالم، ومن أجل الدفع بالسياسات الحكومية للاستجابة إلى مطالبهم وتطلعاتهم وطموحاتهم.
كما أن إلزامية انجاز التقارير السنوية عن الانشطة والتقرير العام كل سنيتين، واطلاع الرأي العام عليها بعد  الملك، أصبحت ضرورة ملحة ومن شأنها أن تحلل اتجاهات الهجرة المغربية واشكالاتها الخاصة، والقضايا التي يعالجها خلال جلساته العامة.
لذلك وانطلاقا مما سبق، لقد آن الأوان للرجوع إلى روح خطاب ملك البلاد بمناسبة الذكر 13 لانطلاق المسيرة الخضراء الذي ألقاه يوم 6نونبر 2006، ولروح الظهير الشريف رقـم 1.07.208 صـادر في 21 ديسمبر2007، وتفاعلا مع مطالب مغاربة العالم وتعبيراتهم الوطنية والمدنية، (آن الأوان) لفتح نقاش عمومي حول تجربة مجلس الجالية المغربية بالخارج منذ نشأته، من أجل ولادة جديدة، وبعث الروح فيه استجابة للظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تمليها الاكراهات الوطنية والدولية، كالديمقراطية وحقوق الانسان والحكامة الجيدة، لتيسير عودة كل الراغبين لبلدهم، وحماية كل مغاربة العالم في دول تواجدهم، وصناعة كل التدابير الضرورية، وخلق كل الآليات المؤسساتية المناسبة لكرامتهم ولعيشهم الكريم، وتطوير إجابات بعمق سياسي حقيقي لضمان مشاركتهم المواطنة في تنمية بلدهم الأصلي.
اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *