نقص في الحب

سميرة مغداد 12:04 - 10 يناير 2022

جلست وزوجي الى مائدة الغذاء بأحد مطاعم المدينة .أخذنا مكاننا  في باحة المطعم الذي تتوسطه نافورة تقليدية في يوم مشمس جميل. انتبهت بمجرد دخولنا الى المطعم ، إلى سيدة تبدو في خريف العمر ،تمعن النظر فينا وكأنها تعرفنا أوتريد أن ننتبه لوجودها.

كانت تحمل ملفا طبيا وقفة بلاستيكية كبيرة تضم بعض الأغراض. تضع كمامتها بإمعان في فضاء مفتوح ، وتزيحها كلما همت برشف كأس الشاي على طاولتها. لم اتمكن بأن أعرف ان تناولت غذائها ،أم أنها تجزي وقتا عصيبا برشفات شاي تصبها من براد تقليدي صغير. كان الوقت وقت غذاء. استرقت إلينا النظر أكثر من مرة لدرجة الحرج. لم أشأ انا شخصيا أن أتناول طعامي أمامها، لكن موقع مائدتنا كان مناسبا جدا وفي في الهواء الطلق. انزعجنا قليلا ، ثم حاولنا تناول طعامنا غير آبهين الى حد كبير بنظرات المرأة الستينية. بعد حين، تناولت هاتفها المحمول الصغير ، وضعته على أذنها تحت منديل رأسها دون أن يسمع له رنين من قبل.

بدأت تتحدث بصيغة العتاب لنعلم بعد لحظات أنها تحدث شقيقا مفترضا ،بدأت تردد” راني هنا مازال كنتسناك قلتي لي تسنايني نسالي الخدمة وندوز عندك ايواراني في بلاصتي مازال هادي ساعة”. واصلت حديثها المسموع قائلة : ياك اخويا هادي هي الخاوة نسيتي شحال وقفت معك اوعاونتك كيف ماعاونت كاع خوتي لخرين وزوجت وسبعت أو دابا حتى حد فيكم مابقا داها فيا.

استرسلت المرأة في كلام أحادي مع هاتفها، متحدثة عن إهمال اخوتها لها مترحمة على والديها الذين كانا يجمعان الشمل، وعن صحتها التي خانتها وتخبر الأخ الافتراضي على الخط ، أنها كانت بصدد اجراء فحوصات طبية استعداد لإجراء العملية.

حكت قصتها بالكامل مع خذلان أخواتها و الزمن ، وهي تقول أنها ستترك لهم بعد موتها منزلا ليرثوه، فلم تعد تحتاجه بعد أن أصبحت وحيدة بلا عناية أو اهتمام من اخوتها الذين أخذتهم حياتهم بعد أن تزوجوا وأسسوا أسرهم .أما هي فاضطرتها ظروف الوحدة الى أن تختار العيش في دار العجزة. قطعت المكالمة وهي تردد” سالي على خاطرك راني كنتسناك”.

روت السيدة كل القصة ونحن نتناول غذائنا ، بعدما قررنا زوجي وأنا بالصدفة ان نجرب ذاك المطعم البسيط  وسط المدينة العتيقة. لم أدر بالضبط دوافع المرأة ، لكني قد أجزم أنها كانت تريد فقط أن تروي حكايتها وتفضفض بعد أن طفح كيلها. كنت أتمنى أن افعل شيئا ما لإسعادها ، أو استضافتها لأجل أن تأكل شيئا . تذكرت أني أردت يوما ما القيام بالتفاتة في موقف آخر سابق  فرفضت السيدة بلطف بعدما أخبرها النادل، لأكتشف أنها موظفة محترمة متقاعدة لعب بها الزمن والمرض النفسي وجور الخلان، فأصبحت تحدث نفسها أمام الملأ وهي تلتهم سجائرها الشقراء. السيدة الغريبة الأطوار انتهت بالمناداة على النادل لتؤدي ماعليها وتمنحه على مايبدو بقشيش محترم ، لأن صوته ارتفع بفرح وهو يردد الله يخلف عليك ألالا.

سردت المسكينة حكايتها ومضت الى حال سبيلها ،لم أجد سوى كلماتي المتواضعة لأعبر عن احساسي بها ولأشجب بأضعف الايمان هذا البرود الفظيع ،الذي تسرب كالصقيع الى بيوتنا التي كانت الى حد قريب عامرة ودافئة. ما أقسى أن تفرغ البيوت من القلوب الحاضنة للمحبة. ترى الى أين نمضي بكل هذا الجفاء الإنساني؟

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *