هدى الريحاني، البرتقالة الحلوة..

عبد الإله الجوهري 13:23 - 25 مايو 2016

رغم مسارها القصير نسبيا، و مشاركاتها الفنية المعدودة، استطاعت الفنانة هدي الريحاني، خلال سنوات اشتغالها في المسرح و التلفزيون و السينما، أن تضع اسمها على اللائحة الفنية الحقيقية، و أن تحتل الصدارة في المشهد الإبداعي المغربي، إلى جانب ممثلات مغربيات أصيلات، يشهد لهن بالحضور والنجومية، كثريا العلوي وفاطمة خير و ماجدولين و راوية و فاطمة عاطف و السعدية لديب..، و قبلهن الفنانات الرائدات: نعيمة المشرقي و أمينة رشيد و عائشة ما هماه و سعاد صابر و خديجة جمال و الشعيبية العدراوي..، موقع احتلته عن جدارة و استحقاق، بفضل موهبتها العميقة المصقولة، و قبل ذلك، السر الرباني المبثوث بين ثنايا ملامحها الفاتنة إلى جانب الجاذبية الطالعة بكل صدق من عمق كل بسمة ترسمها لحظات الانتشاء و الفرح.

13254516_10154189283079731_5415222204516321325_n

بأدوار إبداعية، عديدة متعددة و مختلفة و خالدة، خلود الأعمال الفنية الصادقة، حجزت هدى لنفسها مقعدا فنيا مشرفا، و دخلت دون استئذان قلوب الجمهور الذي أحب إطلالتها و حضورها الطاغي على الشاشات الفضية، جمهور مغربي صعب الترويض و التماهي، أو منح بطاقة مفتوحة لمن لم يثبت موهبته و توحده مع الأدوار التي يؤديها….
لهدى الريحاني، كاريزمية خاصة و بهاء استثنائي في الأداء، و ذكاء قل نظيره في حسن اختيار المخرجين و الأدوار، ممثلة تمثل لكنها في العمق لا تمثل، تلبس كل الأقنعة و السحنات و الهيئات، بشكل رباني خلاق: أدوار و أدوار تقمصتها بشكل حربائي متفرد، و أعطتها من موهبتها الخلاقة معاني جديدة، و منحتها أبعادا فنية غير متوقعة. جميلة حد الفتنة في أدوار، و ذميمة في أدوار أخرى، مثقفة و جاهلة وحمقاء وبدوية وظالمة و مظلومة..، هي الواحد المتعدد في الوقوف أمام الكاميرات، و النجمة العالمة المتواضعة في العلاقات، و المناضلة الحقة في المواقف و كل اللحظات..
عشاق الفن و كل متتبعي الكتاب الفني المغربي، يتذكر إطلالتها الأولى على الجمهور المغربي، في المسلسلات التلفزية: ” دواير الزمان ” و ” المصابون ” و ” ماريا نصار “.. ، مثلما يتذكر بزوغ شمسها السينمائية المتفردة في الفيلم التجريبي المختلف ” خيط الروح ” لحكيم بلعباس، و من بعده في عشرات الأعمال التلفزية و السينمائية، نذكر منها: ” رحمة ” لعمر الشرايبي و ” فيها الملح و السكر” لحكيم نوري و ” تسقط الخيل تباعا” و ” زمن الرفاق ” لمحمد الشريف الطريبق و ” البرتقالة المرة ” لبشرى ايجورك و ” الأيادي الخشنة ” لمحمد عسلي و ” مول البشكليط ” لليلى التريكي و” انكسار ” لعبد الكريم الدرقاوي و ” نهار تزاد طفا الضو ” لمحمد الكغاط و” عايدة ” لإدريس المريني..
لهدى الريحاني، قوة فنية داخلية لا يتوفر عليها إلا القلة القلية من الممثلين المغاربة، و إمكانيات إبداعية خلاقة يعدمها الكثير من مدعي الخلق و حسن التدبير، و حضور طاغ على الشاشات و المنابر الإعلامية والأنشطة المجتمعية، و إلتزام نادر بالوقت و الوعود، إلتزام أهلها لامتلاك قيمة المصداقية واستيطان تخوم العشق و الحب و الريادة الأخلاقية، ريادة متمثلة في الانضباط للقوانين المرعية و الوفاء للمسؤوليات الإبداعية و القرب من النفوس الأنسانية السوية..
في افتتاح الدورة11 لمهرجان مراكش الدولي للسينما، كانت إطلالتها الفاتنة، إطلالة رفقة النجم شاه روخان، من فوق منصة قصر المؤتمرات، رقصت رقصة هندية لافتة ، وقفت إلى جانبه بندية و احترافية عالية، استحقت إعجاب و تصفيق الجمهور و بقية الزمرة الحاضرة الفنية، كان الحفل يبغي تكريم النجم الهندي، فصارت هي النجمة المغربية المكرمة، هي الحضور و البهاء و عنوان الاشتغال والحرفية..
كان لي شرف الفوز بصداقة هدى، منذ لقاءاتنا الأولى غير المباشرة، صداقة ستترسخ و تتعمق من بعد في اللقاءات المباشرة الحية، مهرجان هنا و تصوير و لقاءات وندوات هناك، لكن بساتين واحة سكورة الورزازية، تشهد على نبع اللقاء الأسمى و التفرد في الحب و التواطؤ الحق ، خلال تصوير شريط ” ثمن الرحيل “سنة 2003 ، في انتظار المناداة عليها للمشهد التالي، قمنا هكذا دون سابق تخطيط، بجولة بين أشجار النخيل السامق، وتجاذبنا أطراف الحديث حول الفن و استكناه كتب التاريخ و خرائط الفضاءات المرمية، مع مسح جغرافية سهول الشاوية و تخوم المدن المنسية، خاصة مدينة ” المنزل ” الرابضة بين الأحضان الجبلية الأطلسية، حيث جذر الأهل و الأصل والمكان. اكتشفت لحظتها، روحا غامرة، و فرحا عارما بالحب، و عشق لامتناهي للحياة، و التقدير المتواصل للمكونات القلبية الضاربة في جذور المعاملات الإنسانية…
منذ لقاءاتنا الأولى، جرت مياه متدفقة تحت جسر الفن و الحياة، انتقلت هدى للعيش بالديار الكندية رفقة عائلتها الصغيرة، انتقال لم يقطع حبل السرة مع الأهل و الخلان، مع الفن و تراب الوطن، تردد دائم ومتابعة لصيقة متتالية، هناك تسكن و هنا تعيش قلبا وقالبا، بين البلدين تمد قنطرة المحبة الحقة، تسعى لتسطير مسار متفرد في ترجمة القناعات الخاصة، قناعات المعرفة و الإيمان بالقضايا العادلة و النضال المساند لقضايا الشعوب التي تعاني من وطأة الفقر و ظلم القوى الامبريالية..
لهدى الريحاني، من المغرب، أرض الأصل و الاهل وجذر المكان، نرفع القبعات و الباقات، ونبعث حزمة ضوء و ياسمين مضمخ بريحان التقدير و المحبة..

 

 

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *