الجزائر: متوالية العثرات الدستورية في التأسيس لمجتمع سياسي جديد

بشير عمري 13:52 - 16 فبراير 2016

كما كان منتظرا صادق نواب البرلمان الجزائري على مشروع التعديل الدستوري الذي عرضته عليهم رئاسة الجمهورية، ستة دساتير لجمهورية الاستقلال الأولى، عدد يقفز في أبعاده عن أبجديات اللغة، لما يشكله غرابة في منطق السياسة وغُربة في التاريخ، ويكرس الحيرة التي تنتاب كل الناظرين في الظاهرة الجزائرية، حيث تتهاوى حتمية البيولوجية أمام غريزة السلطة ونزعة البقاء والتفرد بها وفيها، لجيل حارب الخارجي من أجل أن يتحرر الوطن وحارب الداخلي من أجل أن لا يحرر منه الوطن، وهذا ما تولدت عنه جملة من الأسئلة تنساق كلها خلف محاولة معرفة حقيقة هذا التسلط على الوعي المستمر وفق أشكال خطابية وممارساتية متعددة بتعدد ظرفيات الداخل والخارج معا.
ما الفرق بين عهد «الحماية الاستعمارية» قبل الاستقلال و»الوصاية الاستحمارية» على الشعوب العربية بعده؟ أليسهما في نهاية سوى شكلين لمعنى واحد في احتكار الوعي و سلب الإرادة، وفرض لأمر واقع؟ وهل يصح أن نصف الحالة هاته في تحولها من الخارجي إلى الداخلي، بكونها تأميم الاستبداد ليس أكثر، أي تحوله إلى وسيلة داخلية وشأنا داخليا يمارس بإرادة داخلية؟
إنها مسألة الوعي بالوجود الوطني على مستوييه الفردي الجماعي، فالحرية والحق في رسم مصير الوطن والمواطن الذي كان في قبضة الاستعمار الأجنبي لم يفقد دلالة الاستبداد والهيمنة غاية ما حدث من أمر أن ثلة من أبناء الوطن ورثه عنه، الذين استعاروا هرمية علائق الأسرة المشكلة والمستشكلة «أبويا» في الجدل السوسيو- ثقافي بعالمنا العربي، في رسم شاكلة التعايش الجمعي بعيدا عن مفهوم التعاقدية بوصفه أس النظام الذي قامت على قواعد الدولة الحديثة، وكرسوا ذلك في الخطاب السياسي في ظل جهل الناس بموضوعية لحظة التعايش المشترك، وأبعادها الفكرية والسياسية، وانهيار دور النخب المتبارزة دوما في أبراجها الزجاجية الشفافة حول أسئلة التاريخ الواسعة وفق ايديولوجيات تستأنس بتفسير الكون الكبير و تتعامى عن الكون الصغير أي الوطن، ترتجع إلى ماضي وكلام الماضي، بعضها يسفه الديمقراطية والبعض الآخر يدفن الدين.
وإلا فما معنى أن تتمكن نخب حرب التحرير من الاستمرار في حكم الجزائر إلى غاية اليوم، في عصر جيل هو بفكر، خيال، وآمال أخرى، تلزمه جميعها بضرورة أن يتحرر من تلك الحرب وما يستتبعها من تداعيات، جدل ونقاش؟ ونعني هنا بالتحرر الزمني وليس بالقطيعة مع استمرارية «الشعور الوطني» بكل بهارجها الرمزية، فمن غير المعقول أن تتفاعل قوانين التغيير والتطور على صعد الرؤى والممارسة السياسية وفي آليات الحكم، والتعثر في دواليب التاريخ حاضر فينا بهذا الشكل المأساوي المترائي بيولوجيا فضلا عن ترائيها منجزا عينيا من خلال متوالية الإخفاق التنموي.
إنه التزاحم الفوضوي الوظيفي للأجيال قبل أن يتصادم ويصادم سنة الحياة وقوانين التاريخ، فجيل حرب التحرير الوطنية، كانت لحظة الوطن في حاجة لحضوره، واليوم بات جليا أن مسيس الحاجة لغروبه وغيابه أضحت تبرز على مستوى صناعة الحياة وفق شروطها الجديدة والمتجددة، جيل شيد الجامعات ودور المعرفة ولكنه يستمر في احتكار الوعي والخيار السياسي العام، الذي يفترض أن تلكم المؤسسات المعرفية قد أنتجته، ما يعني أن إشكالية الشرعية التي لازمت خطاب السياسية منذ الاستقلال إلى اليوم بعد انتزاع الحكم بالقوة من طرف جماعة وجدة (قيادة الأركان) من الحكومة الشرعية سنة 1963، قد تضاعفت وتضخمت وباتت ثمة شرعية أخرى تطرح نفسها في جدل الانتقال السلطوي وهي الشرعية الجلية المتحررة من تبعات الماضي أو هكذا المفترض أن تكون والمتطلعة للمستقبل.
هناك حالة فراغ كبرى في العقل السياسي العربي، والفراغ دوما هو اللا تاريخ، لذلك ليس يعسر على الاستبداد التمكن من الرعية من خلال ملء تلكم الفارغات القاتلة، متأتية من الغياب عن التجربة الإنسانية في الحكم ممارسة واطلاعا، ولعل أهم تلك الفراغات هي الفقر في الوعي المؤسسي، الذي هو عماد الدولة الحديثة التشاركية ذات المفاهيم الكبرى كالمواطنة، وأولوية الفرد في مسألة الحق على الجماعة، ما سهل استعارة البنية العلائقية الأسرية من طرف الحاكم واسثمارها بشكل خطير في تكريس سلطانه وجبروته على الشعب، ومع الأسف فإن اللا تاريخية السياسية أي العقل غير المؤسسي هاته شاملة للعقل السياسي العربي سلطة ومعارضة فحتى أحزاب المعارضة بزعمائها ليسوا سوى مشاريع سلطة وصية.
ثمة مسألة كرست لا تاريخية السياسة بالجزائر والوطن العربي بعمومه، وهي ذات ارتباط وثيق بالاسترابة النفسية من لغة المفاهيم، والمصطلحات التي تلازمت في التجربة الميدانية مع إخفاقات أو نزاعات أو كوارث حتى، فالسياسة أضحت رديفا «كابوسيا» في المخيال الوطني الجزائري، بعد فترة الحرب الأهلية الطاحنة التي عرفتها البلاد إثر توقيف المسار الانتخابي سنة 1992، وهذا بعد أن كانت طيلة مرحلة فشل مشروع دولة الاستقلال رديفا لمعنى الإخفاق الوطني، تمام كما هي استرابة المؤمن بالغيبيات من الفلسفة وتجربتها العقلية، واسترابة المواطن من المسؤولية، تولد عن ذلك هناك تسليم طوعي للوعي وتنازل ضمني للإرادة، وهي في عمق أزمة الراهن تعني استقالة غير موضعية من مهمة المواطنة.
لماذا تتصاعد الدساتير عندهم في انبثاقها من القاعدة وتتنازل عندنا من القمة؟ هذا هو اللا تاريخ في السياسة، واللاوعي به هو الموت السريري للشعوب، نفس العقل التسلطي الذي صاغ مشروع الدولة الاستقلال ومؤسساتها ومواثيقها دستورا وقانونا هو من كان يرفض الامازيغية، ويرفض التعددية، ويرفض كل ما يراه بمنطقه ومصالحه الحيوية الخاص مرفوضا، صار اليوم، بقدرة قادر، يقبل بالامازيغية كلغة رسمية ثانية ويقبل بالتعددية كنهج سياسي ويستبق الجميع في تبني (تكتيكي سياسي) مطالب الوعي الجديد بالوأد الميداني ويحرمه من التفاعل السليم وفق شروط الراهن البيولوجية والأيديولوجية، ليستديم في الحكم كخط خاطئ متصل دومنا انقطاع في التاريخ الوطني، سلوك شاذ في عوالم وعلوم السياسة، ومثلما أنه كشف عن جنون الشيخوخة السلطوية لزمرة جيلية لا تريد أن تعترف أو بالأحرى تخضع لحتمية قانون الزمن، فقد كشف أيضا عن حالة اعتوار كبرى في مسألة استيعاب وممارسة الحق السياسي لقوى السياسية الحية في البلد، إذ أنها عوض أن تصر في إباء على انتزاع أو استعادة أداة تكريس مقتضيات وعيها وفي مسار تحقيقها لمطالبها السياسية والاجتماعية، من شرعية شعبية ومؤسسات حية صحية وصحيحة، راحت تكتفي بطلبها من سلطة تستغل بغير وجه حق تلكم الأدوات، سلطة تحسن تسويق المطالب على صعيد الخطاب ولا تعرف لذلك مطلقا سبيلا في الممارسة.
يمكننا إذن، وانطلاقا من هاته الملامسة الانطباعية النقدية الوجيزة، لحالة التداولية الدستوري الأحادية المغلقة التي يعاد إنتاجها في كل مرة تدخل فيها السلطة غرفة الانعاش، والتي ترسخت في الممارسة السلطوية للسياسة أو الممارسة السياسوية للسلطة في الجزائر، كما لدى جميع شقيقاتها في العالم العربي، وإن بدرجات متفاوتة، يمكننا أن نقف بجد أمام حجم رزية الوعي المتعثر عمدا و تباعا بالحق السياسي داخل منظومة علائق متشابكة وظيفيا ومؤسسيا، وهو ما يعني أن زمن السياسة لا تزال عقاربه متوقفة على التوقيت الوطني الأول، عقارب كان ينبغي تمشي ضد ساعة الاستعمار لكن شيئا من بعده هذا لم يدق !

اترك تعليقا :
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *